مجد الدين ابن الأثير
435
المختار من مناقب الأخيار
رأسه ، حتى صرت كأنني في بيت لا يصيبني المطر ولا الرياح ، وكلما قلت له قال : لا تعترض عليّ فأنا الأمير « 1 » . وقال أبو سعيد بن الأعرابي : ولقد صحبته إلى أن مات ، فما رأيته قط يبيّت « 2 » ذهبا ولا فضة ، كان يخرجه من الليل ويذهب مذهب شقيق في التوكّل « 3 » . وقيل له : على ما بنيت المذهب ؟ « 4 » قال : على ثلاث خصال : لا نطالب أحدا من الناس بواجب حقّنا ، ونطالب أنفسنا بحقوق الناس ، ونلزم أنفسنا التقصير في جميع ما نأتي « 3 » . وكان يقول : العبد مأخوذ عليه أن يراعي ظاهر أعماله وباطنها ، فظاهرها بذل المجهود وخلع الراحة ، واحتمال مكاره النفس ، والزّهد في فضول الدنيا ؛ وباطن الأعمال التقوى والورع الصادق ، والصبر والرضا والتوكّل والمحبة له ، وفيه الإيثار له ، وإجلال مقامه والحياء منه ، وحسن موافقته ، وإحراز أمره . فهذه الأعمال الظاهرة ، والباطنة مطايا العابدين وغايتهم ، وعليها يسيرون إلى اللّه ، ويسابقون بها إلى ثوابه ، وينزلون بها في قربه . وكان من دعائه لإخوانه : لا جعلنا اللّه وإياكم ممن يكون حظّه الأسى والأسف على مفارقة الدنيا ؛ وجعل أحبّ الأوقات إلينا وإليكم يوم اللقاء الذي فيه يكون دوام البقاء . * * *
--> ( 1 ) الحلية 10 / 306 ، 307 . ( 2 ) في ( أ ، ل ) : « وهب » تصحيف والمثبت من الحلية . ( 3 ) الحلية 10 / 307 . ( 4 ) إثبات ألف « ما » الاستفهامية بعد حرف الجر قليل شاذ في العربية . انظر ص 116 الحاشية ( 1 ) من هذا الجزء .