مجد الدين ابن الأثير

425

المختار من مناقب الأخيار

بياض ، فدعا اللّه تعالى فأذهب عنه إلا مثل موضع الدرهم ، فمن لقيه منكم فمروه فليستغفر لكم » . قال : فقدم علينا فقلنا : من أين ؟ قال : من اليمن . قلت : ما اسمك ؟ قال : أويس . قلت : فمن تركت باليمن ؟ قال : أمّا لي . قلت : أكان بك بياض فدعوت اللّه تعالى فأذهبه عنك ؟ قال : نعم . قلت : فاستغفر لي . قال : أو يستغفر مثلي لمثلك يا أمير المؤمنين ؟ ! فاستغفر له . وقال عمر : قلت له : أنت أخي لا تفارقني . فانملس مني « 1 » ؛ فأنبئت أنه قدم عليكم الكوفة . قال : فجعل ذلك الرجل الذي كان يسخر منه يحقره ويقول : ما هذا فينا ولا نعرفه . قال عمر : بلى إنه رجل كذا - كأنه يضع [ من ] شأنه - قال : فينا رجل يا أمير المؤمنين ، يقال له أويس . قال : أدرك ولا أراك تدرك . قال : فأقبل ذلك الرجل حتى دخل عليه قبل أن يأتي أهله . فقال له أويس : ما هذه بعادتك ، فما بدا لك ؟ قال : سمعت عمر يقول فيك كذا وكذا ، فاستغفر لي يا أويس . قال : لا أفعل حتى تجعل لي عليك أن لا تسخر بي فيما بعد ، وأن لا تذكر الذي سمعته من عمر لأحد . فاستغفر له . قال أسير : فما لبث أن فشا أمره بالكوفة . فدخلت عليه ، فقلت له : يا أخي ألا أراك العجب ونحن لا نشعر ؟ فقال : ما كان في هذا ما أتبلّغ به في الناس وما يجزى كلّ عبد إلّا بعمله . قال : ثم انملس منهم فذهب « 2 » . وقال الشعبي : مرّ رجل من مراد على أويس القرنيّ فقال : كيف أصبحت ؟ قال : أصبحت أحمد اللّه عزّ وجل . قال : كيف الزمان عليك ؟ قال : كيف الزمان على رجل إن أصبح ظنّ أنه لا يمسي ، وإن أمسى ظنّ أنه لا يصبح ، فمبشّر بالجنّة أم مبشّر بالنار ؟ ! يا أخا مراد ! إنّ الموت وذكره لم يترك لمؤمن فرحا ، وإنّ علمه بحقوق اللّه لم يترك له في ماله فضّة ولا ذهبا ، وإنّ قيامه باللّه للحق لم يترك له صديقا « 3 » .

--> ( 1 ) انملس : أفلت . اللسان ( ملس ) . ( 2 ) أخرجه ابن سعد في الطبقات 6 / 161 - 163 . ( 3 ) الحلية 2 / 83 .