مجد الدين ابن الأثير

384

المختار من مناقب الأخيار

[ الرحمن : 46 ] فصحت من طيب تلاوته ورخامة صوته . وانتبهت وإذا عيني المقلوعة صحيحة « 1 » . وقال : تهت في تيه بني إسرائيل مقدار خمسة عشر يوما ، فلما وقفت على الطريق استقبلني إنسان جندي فسقاني شربة من ماء ، فعادت قساوتها على قلبي ثلاثين سنة « 2 » . وقال أبو بكر الدّقّيّ « 3 » : خرجت من أيلة « 4 » إلى مصر ، فلما دخلتها قلت : أسلّم على الزّقّاق ، فقصدته وسلّمت عليه والناس حوله ، فقال : من أين جئت ؟ قلت : من أيلة . فقال : إلى الرّملة ؟ قلت : لا يا سيدي ، إلى القلزم وإليكم . فقال : جزت ذلك ، تجد مني فيه حكاية ؛ قمت فيه ثمانية عشر يوما تائها ، وما وجدت فيه شيئا أرتفق به ، فلما كان بعد المدّة إذا أنا بسلطان قد ولي من مصر يريد أيلة ، فرأوا شخصا من بعيد ، فأرسلوا فارسا ليحملني إليه ، فلمّا رأيت جمالا ورفقة طمعت نفسي ، فلما تبيّنت أنّهم جند أثبتّ أنّ لي فيهم فرجا . قال : وما شيء من الطاعات للّه تعالى إلّا وهذا الإياس في هذا الوقت أحسن منه . فقال الوالي : هذا رجل تائه قدّموا إليه السّفرة . فقلت : ليس إلى ذلك سبيل . فقال لي : ويحك ! أنت على حال التّلف . فقلت له : إنّ بيعتنا مع اللّه تعالى ليست على هذا ، لا نرضى رحلكم في المدن ولا لكم نرضاه ، ذاك أنّ العلم يلزمنا إياه ولو كنّا في شدّة . ففقه الأمير عني ما قلت ، فبكى وقال : سألت باللّه تعالى إلا شربت الماء ، فإنّه من النيل . فناولني إداوة فشربت منها شربة وبقيت عليها إلى مصر . وقال : كنت مارّا في تيه بني إسرائيل فخطر ببالي أنّ علم الحقيقة مباين

--> ( 1 ) الحلية 10 / 344 . ( 2 ) الرسالة القشيرية 1 / 131 والمنتقى لابن خميس 101 / ب . ( 3 ) هو محمد بن داود ، تأتي ترجمته في 4 / 365 برقم ( 427 ) من هذا الكتاب . ( 4 ) أيلة : مدينة على ساحل بحر القلزم ( الأحمر ) مما يلي الشام ، وهي مدينة لليهود الذين حرّم عليهم صيد السمك . انظر معجم البلدان 1 / 292 . ويقال لها : أيلات .