مجد الدين ابن الأثير
373
المختار من مناقب الأخيار
الأوقات التي تغلب الأحوال على أجملها ، فتأخذها عن تصرّف الطّباع . ما أكثر الخطر ! ما أكثر الغلط ! . وقال : كان عندنا ببغداد عشرة فتيان معهم عشرة أحداث ، مع كلّ واحد واحد ، وكانوا مجتمعين في موضع ، فوجّهوا واحدا من الأحداث ليأخذ لهم حاجة ، فأبطأ عليهم ، وغضبوا لتأخّره عنهم ، ثم أقبل وهو يضحك ، وبيده بطّيخة يقلّبها ويشمّها ، فقالوا له : أحبست عليها ثم جئتنا تضحك ؟ ! فقال : جئتكم بفائدة ، رأيت بشر بن الحارث وضع يده على هذه البطّيخة ، فلم أزل واقفا حتى اشتريتها بعشرين درهما لأتبرّك بموضع يده عليها . فأخذ كلّ واحد منهم البطّيخة وجعل يقلّبها « 1 » ويضعها على عينيه ، فقال واحد منهم : بشر كان معنا صاحب عصبيّة ، أيّ شيء بلغ به هذا كله حتى تفعلوا به هذا ؟ قالوا : تقوى اللّه والعمل الصالح . فقال : أشهد اللّه جلّ وعزّ وأشهدكم أني تائب إلى اللّه من كلّ شيء لا يرضاه مني ، وأنا على حالة بشر وطريقته . فقالوا كلّهم مثل ذلك : ونحن على طريقة بشر . فتابوا بأجمعهم ، وخرجوا إلى طرسوس ، وغزوا ، فاستشهدوا كلّهم في موضع واحد « 2 » . وقال : رأيت بالبادية حدثا ، فلمّا رآني قال : أما يكفيه أن شغفني بحبّه حتى أعلّني ؟ ثم رأيته يجود بروحه فقلت له : قل لا إله إلّا اللّه . فأنشأ يقول : أيا من ليس لي منه * وإن عذّبني بدّ ويا من نال من قلبي * مثالا ما له حدّ أجرني من تجنّيك * فقد أقلقني الصّدّ « 3 »
--> ( 1 ) في طبقات السّبكي والكواكب : « يقبّلها » . ( 2 ) ذكره السبكي في طبقاته 3 / 53 والمناوي في الكواكب 2 / 9 . ( 3 ) ذكره السبكي في طبقاته 3 / 50 ما عدا البيت الثالث وكذا الملقن في طبقاته -