مجد الدين ابن الأثير
363
المختار من مناقب الأخيار
ولا ترجع إليّ حتى تأكل شيئا طيّبا . فأخذتها وبعتها بنيّف وأربعين درهما واشتريت كلّ ما أردت وحملته إلى الفقراء . وروي أنّ جماعة من الشيوخ اجتمعوا في منزل يونس بن أبي حليمة ببغداد على سماع ، وفيهم الجنيد والنّوري ورويم وابن وهب وغيرهم ؛ إلى أن مضى بعض الليل أو أكثره ، فلم يتحرّك منهم أحد ، ولا أثّر فيه القول ، فقال النّوري للجنيد : يا أبا القاسم ! هذا السماع يمرّ مرّا ولا أرى وجدا يظهر ! فقال الجنيد : يا أبا الحسين ! وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ [ النمل : 88 ] فأنت يا أبا الحسين ما أثّر عليك ؟ فقال النّوري : ما بلغت مقامي في السّماع . فقال له الجنيد : وما مقامك في السماع ؟ قال : الرّمز إليه بالإشارة دون الإفصاح ، والكناية دون الإيضاح . ثم وثب وصفّق بيده وأنشأ يقول : ربّ ورقاء هتوف بالضّحى * ذات شجو صدحت في فنن ذكرت إلفا وخلّا صالحا * فبكت شجوا فهاجت شجني فبكائي ربّما أرّقها * وبكاها ربّما أرّقني ولقد أشكو فما أفهمها * ولقد تشكو فما تفهمني غير أني بالجوى أعرفها * وهي أيضا بالجوى تعرفني فقام جميع من حضر بقيامه ساعة من الليل « 1 » . وروي أنه وقف على رجل يضرب بالسّياط ، فعدّ عليه ألفا وهو ساكت ، فاستحسن صبره مع كبر سنّه ، فلما أدخل الحبس دخل عليه فسأله عن صبره مع علوّ سنّه فقال : يا أخي ، الهمم تحمل البلاء لا الأجسام . فقلت له : فما الصّبر عندكم ؟ فقال : الخروج من البلاء على حسب الدّخول فيه .
--> ( 1 ) ذكره ابن الملقّن في طبقاته مختصرا ومن غير ذكر الأبيات ص 68 . والأبيات ذكرها الذهبي لبعض الصوفية في ترجمة ابن الخاضبة في سير أعلام النبلاء 19 / 113 وتذكرة الحفاظ 4 / 1225 .