مجد الدين ابن الأثير

361

المختار من مناقب الأخيار

وروي أنه خرج ليلة إلى شاطى دجلة فوجد الجانبين قد التزقا ، فانصرف وقال : وعزّتك لا أجوزها إلّا في زورق . وروي أنّه جاع أياما في البادية ، فهتف به هاتف : أيّما أحبّ إليك سبب أو كفاية ؟ فقال : الكفاية ليس فوقها نهاية . فبقي سبعة عشر يوما لم يأكل شيئا . وقال أحمد بن إبراهيم المقرئ : كان أبو الحسين النّوري لا يسأل عمّا لا يعنيه أبدا ، ولا يفتّش عمّا لا يحتاج إليه ، غير أنّه إذا كان إذا رأى منكرا غيّره ولو كان فيه تلفه ، فنزل ذات يوم إلى مشرعة تعرف بمشرعة الفحّامين ليتوضّأ للصلاة ، إذ رأى زورقا فيه ثلاثون دنّا مكتوب عليها بالقار لطف . فقرأه وأنكره لأنّه لم يكن يعرف شيئا يعبر عنه بلطف . فقال للملّاح : أيّ شيء في هذه الدّنان ؟ قال : وما عليك ! ؟ امض لشغلك . فلما سمع النّوريّ عن الملاح هذا القول ازداد تعطّشا إلى معرفته ، فقال له : أحبّ أن تخبرني ما في هذه الدّنان . فقال له الملّاح : أنت واللّه صوفيّ فضوليّ ، هذا خمر للمعتضد باللّه يريد أن يتمّ به مجلسه . فقال النوري : وهذا خمر ؟ قال : نعم . فقال : أحبّ أن تعطيني ذلك المرديّ « 1 » . فاغتاظ الملّاح عليه وقال لغلامه : أعطه المرديّ حتى ننظر ما يصنع . فلما صار المرديّ في يده صعد إلى الزورق ، فلم يزل يكسرها دنّا دنّا حتى أتى على آخرها إلا دنّا واحدا والملّاح يستغيث إلى أن ركب صاحب الجسر وهو يومئذ مؤنس بن أفلح ، فقبض على النّوريّ وأشخصه إلى حضرة المعتضد . وكان المعتضد سيفه قبل كلامه ، ولم يشكّ الناس أنّه سيقتله . قال أبو الحسين : فأدخلت عليه وهو جالس على كرسيّ من حديد ، وبيده عمود يقلّبه ، فلما رآني قال لي : من أنت ؟ قلت : محتسب « 2 » . قال : من ولّاك الحسبة ؟ قلت له : الذي ولّاك

--> ( 1 ) المرديّ : خشبة تدفع بها السفينة ، تكون في يد الملاح . اللسان ( ردي ) . ( 2 ) المحتسب : من يتولّى ضبط الموازين والمكاييل ويده مطلقة في الأمر بالمعروف -