مجد الدين ابن الأثير
347
المختار من مناقب الأخيار
وقال الحصري : كنت في مجلس أبي العباس بن عطاء فبكى رجل من القوم فقال : ما هذا البكاء ؟ لا منفذ له « 1 » ههنا أما سمعت قول الشاعر : قال لي حين رمته * كلّ ذا قد علمته لو بكى طول دهره * بدم ما رحمته « 2 » وسئل عن الدنيا فقال : حرص المال ، وراحة النفس ، وفقر القلب ، ومن سلم نفسه للّه عزّ وجلّ فقد ترك الدنيا . وقال يوما لأصحابه : بما « 3 » ارتفع من ارتفع ؟ فقال قوم : بكثرة الصلاة والصوم ، وقال آخرون : بترك التمني وبذل الندى ، وقال آخرون : بالمداومة على المجاهدة والمكابدة « 4 » ؛ وقال آخرون : بالمحاسبة والمؤازرة . فقال : هو ما ارتفع من ارتفع إلا بالخلق ، ولم ينل أحد كماله إلّا المصطفى صلّى اللّه عليه وسلم . وقيل له : لم بلي الخلق بالفراق ؟ فقال : لئلا يكون لأحد سكون مع غير اللّه عزّ وجلّ . وقال : الاحتيال في دفع البلاء زيادة في البلاء . وقال : من غلب هواه عقله ، وجزعه صبره افتضح . وقال : قرّت عيون السّحرة في سجدة واحدة ، فما باله « 5 » لا تقرّ عين من سجد خمسين سنة ؟ وقال عبيد اللّه الرزّاز : كنت ذات يوم عند ابن عطاء وحوله جماعة يتكلّم عليهم فقال : أين المحبّة والرضاء ؟ فإن لم يكن فأين الصدق
--> ( 1 ) في تاريخ بغداد : « يا هذا ، البكاء لا منفذ له . . . » . ( 2 ) تاريخ بغداد 5 / 29 . ( 3 ) إثبات ألف « ما » المجرورة قليل شاذ في العربية ، انظر ص 116 حاشية ( 1 ) من هذا الجزء . ( 4 ) في ؟ ؟ ؟ ) : « والمكابرة » . ( 5 ) في ( أ ) : « فما بال » والمثبت من ( ل ) .