مجد الدين ابن الأثير

329

المختار من مناقب الأخيار

السراويل لم ينزل . فدخلت إليه بعد سبعة أيام فقلت : يا أبا عبد اللّه ! رأيتك تحرّك شفتيك ، فأيّ شيء قلت ؟ قال : قلت اللهم إنّي أسألك باسمك الذي ملأت به العرش ، إن كنت تعلم أنّي على صواب فلا تهتك لي سترا « 1 » . وقال عبد اللّه : كنت كثيرا أسمع والدي يقول : رحم اللّه أبا الهيثم ، غفر اللّه لأبي الهيثم ، عفا اللّه عن أبي الهيثم . فقلت : يا أبة ! من أبو الهيثم ؟ فقال : لمّا أخرجت إلى السّياط ، ومدّت يداي إذا أنا بشابّ يجذب ثوبي من ورائي ويقول لي : تعرفني ؟ قلت : لا . قال : أنا أبو الهيثم العيّار اللّصّ الطّرّار « 2 » ، مكتوب في ديوان أمير المؤمنين أنّي ضربت ثمانية عشر ألف سوط بالتفاريق ، وصبرت في ذلك على طاعة الشيطان لأجل الدنيا . فاصبر أنت في طاعة الرحمن لأجل الدّين . قال : فضربت ثمانية عشر سوطا بدل ما ضرب ثمانية عشر ألفا . وخرج الخادم فقال : قد عفا عنه أمير المؤمنين « 3 » . وقال الأنماطي : كنّا في مجلس فيه يحيى بن معين وزهير بن حرب وجماعة من كبار العلماء ، فجعلوا يثنون على أحمد بن حنبل ويذكرون من فضائله ، فقال رجل : لا تكثروا بعض هذا القول . فقال يحيى بن معين : وكثرة الثناء على أحمد بن حنبل تستكثر « 4 » ! ؟ لو جلسنا مجالسنا بالثناء عليه ما ذكرنا فضائله بكمالها « 5 » . وقال إبراهيم بن الحارث العبادي : قيل لبشر بن الحارث : لو تكلّمت أيام ضرب أحمد بن حنبل . فقال : إنكم تأمروني أن أقوم مقام الأنبياء ، إنّ أحمد بن حنبل قام مقام الأنبياء « 6 » .

--> ( 1 ) صفة الصفوة 2 / 350 ، 351 . ( 2 ) العيّار : الكثير المجيء والذهاب ، الكثير التطواف . والطّرّار : هو الذي يشقّ كمّ الرجل ويسلّ ما فيه ، من الطّرّ ، وهو القطع والشقّ . اللسان والقاموس ( عير ، طرر ) . ( 3 ) صفة الصفوة 2 / 351 . ( 4 ) في تاريخ بغداد : « تستنكر » . ( 5 ) الحلية 9 / 169 ، 170 وتاريخ بغداد 4 / 421 . ( 6 ) الحلية 9 / 170 .