مجد الدين ابن الأثير

324

المختار من مناقب الأخيار

يتودّد إلى من يؤذيه ، فكيف بمن يؤذى فيه ؟ ! وما ظنّك بالتوّاب الرحيم الذي يتحبّب إلى من يبغضه فيغذّيه بأنواع الطيّبات ، فكيف بمن يترضّاه ويختار سخط العباد فيه ؟ ! وقال : سئل الجنيد عن معنى قول النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم : « أنا سيّد ولد آدم ولا فخر » « 1 » فقال لي : هات أيّ شيء وقع لك في هذا ؟ فقلت : يعني بقوله « أنا سيد ولد آدم » : أي هذا عطاؤه ، وأنا لا أفتخر بالعطاء ، لأنّ فخري بالمعطي . فقال لي : أحسنت يا أبا محمد . وسئل عن معنى قوله عزّ وجل : يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا [ مريم : 23 ] فقال : إنّ من خصّه اللّه من أهل الخصوص لهم إشراف على ما يحدث من الأمور ، فلما ولد عيسى عليه السلام أشرفت أمّه الصدّيقة على ما يجري عليه من أن يتّخذ إلها يعبد ، فغمّها أن يكون بابنها ما ينسب إلى اللّه تعالى فقالت : يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا [ مريم : 23 ] أي لم أحمل بمن سيتّخذ « 2 » إلها ؛ فأنطق اللّه عيسى فقال : إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ [ مريم : 30 ] فلا تدّعوا فيّ الإلهيّة « 3 » . مات أبو محمد الجريري سنة إحدى عشرة وثلاث مائة « 4 » . قال أحمد بن عطاء الرّوذباري : مات الجريريّ سنة الهبير « 5 » ، فجزت

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي 5 / 587 ( 3615 ) عن أبي سعيد في المناقب باب في فضل النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم وقال : حديث حسن صحيح ، وله شاهد من حديث أبي هريرة عند أحمد 2 / 435 ، 436 ؛ والبخاري ( 4712 ) ؛ ومسلم ( 914 ) . وانظر تخريج طرقه في مسند أحمد ( طبعة مؤسسة الرسالة ) . ( 2 ) في ( ل ) : « اتخذ » . ( 3 ) أورده الشعراني في طبقاته 1 / 95 بغير هذا السياق . ( 4 ) قال الذهبي في السير 14 / 467 : حجّ في سنة إحدى عشرة ، فقتل في رجوعه يوم وقعة الهبير ، وطئته الجمال النافرة فمات شهيدا ، وذلك في أوائل المحرّم سنة اثنتي عشرة ، وهو في عشر التسعين . ( 5 ) الهبير : رمل زرود في طريق مكة [ وهو إلى الكوفة أقرب منه إلى مكة ] كانت عنده -