مجد الدين ابن الأثير

317

المختار من مناقب الأخيار

يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ [ البقرة : 235 ] . قال : فاستغفرت في نفسي ، فناداني وقال : وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ [ الشورى : 25 ] . وقال : إذا أراد اللّه أن يولّي عبدا من عبيده فتح عليه باب ذكره ، فإذا استلذّ الذكر فتح عليه باب القرب ، ثم رفعه إلى مجالس الأنس ، ثم أجلسه على كرسيّ التوحيد ، ثم رفع عنه الحجب وأدخله دار الفردانيّة ، وكشف له عن الجلال والعظمة ، فإذا وقع بصره على الجلال والعظمة بقي بلا هو ، فحينئذ صار العبد زمنا فانيا ، فوقع في حفظه سبحانه ، وبرئ من دعاوى نفسه . وقيل له : لم تأخّر عن الفقراء رفق الأغنياء ؟ فقال : لثلاث خصال : لأنّ ما في أيديهم غير طيّب ، ولأنّهم غير موفّقين ، ولأنّ الفقراء مرادون بالبلاء . وقال : كنت في بعض أسفاري ، وكان يظهر لي كلّ ثلاثة أيّام شيء آكله وأستقلّ به ، فمضى ثلاثة أيام وقتا من الأوقات ، ولم يظهر لي شيء ، فضعفت وجلست ، فهتف بي هاتف : أيّما أحبّ إليك سبب أو قوّة ؟ فقلت : القوّة . فقمت من وقتي ومشيت اثني عشر يوما فلم أذق شيئا ولم أضعف . وقال : لا تغترّ بصفاء العبوديّة ، فإنّ فيها نسيان الربوبيّة ، فمن شهد صنع الربوبيّة في إقامة العبوديّة انقطع عن نفسه وسكن إلى ربّه . وقال : معاداة الفقراء بعضهم بعضا غيرة من اللّه عليهم لئلا يسكن بعضهم إلى بعض . وقال : أول مقام من وجد التوحيد فناء ذكر الأشياء عن قلبه ، وانفراده باللّه تعالى . وقال : إذا صدق المريد في بدايته أيّده اللّه بالتوفيق ، وجعل له واعظا من نفسه ، وذلك أني أصبت ميراثا ، فكنت آخذ منه القوت وأتقلّل منه شيئا موزونا لكلّ يوم ، ولزمت العزلة ، فكأنّي خوطبت في سرّي ، ثم سمعت قائلا يقول لي : إذا أنت أكلت الطعام في كلّ ليلة فبما ذا تفضل على سائر الناس ؟ ولكن اجعله في كلّ ليلتين أكلة . فلزمت ذلك وقتا ، وصعب عليّ جدّا ، لا من