مجد الدين ابن الأثير

304

المختار من مناقب الأخيار

عليك مساوئك ، فلم يطلع أحدا من المخلوقين عليك ، وأنفع التوكّل ما وثقت بضمانه ، وأحسنت طلبه ، وأنفع الغنى ما نفى عنك الفقر ، وخوف الفقر ؛ وأنفع الفقر ما كنت به متجمّلا ، وبه راضيا ، وأنفع الحزم ما اطّرحت به التّسويف للعمل عند إمكان الفرصة وانتهاز البغية في أيام المهلة ؛ وأنفع الأعمال ما سلمت من آفاتها ، وكانت منك مقبولة ، وأنفع الكلام ما وافق الحقّ وسلمت من زلله وخطيئته « 1 » . وقيل له : ما تقول في المشاورة ؟ قال : لا تثقنّ فيها بغير الأمين . قيل : فما ترى في الأنس بالنّاس ؟ قال : إن وجدت عاقلا مأمونا فأنس به واهرب من سائرهم كهربك من السّباع . قيل : فما أفضل ما تقرّب به إلى اللّه عزّ وجل ؟ قال : ترك معاصيه الباطنة . قيل : فما بال الباطنة [ أولى ] من الظاهرة ؟ قال : لأنّك إذا اجتنبت الباطنة بطلت الظاهرة . قيل : فما أضرّ المعاصي ؟ قال : ما لا يعلم أنها معصية ، وأضرّ منها ما ظنّ أنّها طاعة وهي للّه معصية . قيل : فأيّ المعاصي أنفع ؟ قال : ما جعلتها نصب عينك ، فأطلت البكاء عليها إلى مفارقتك الدنيا . قيل فما أضرّ الطاعات ؟ قال : ما نسيت به مساوئك ، وجعلتها نصب عينيك إدلالا بها وأمنا واغترارا . قال : فما أنفع لطف اللّه ؟ قال : إذا عصمك من معاصيه ووفّقك لطاعته « 2 » . وقال : استكثر من اللّه عزّ وجلّ لنفسك قليل الرّزق تخلّصا إلى الشّكر ، واستقلل من نفسك للّه كثير الطاعة إزراء على النّفس ، وتعرّضا للعفو ، وارفع عنك خاطر الشرّ بخالص العمل « 3 » ، واستجلب شدّة التيقّظ بشدّة الخوف ، وادفع عظيم الحرص بإيثار القناعة ، واقطع أسباب الطّمع بصحّة اليأس ، واستجلب حلاوة الزّهد بقصر الأمل ، وتخلّص إلى راحة القلب

--> ( 1 ) الحلية 9 / 282 ، 283 مطوّلا . ( 2 ) الحلية 9 / 284 . ( 3 ) في الحلية : « وارفع عنك حاضرا ليس بحاضر العلم بخالص العمل » .