مجد الدين ابن الأثير

251

المختار من مناقب الأخيار

فلما أن أصبحنا قال لي : يا أبا علي ! قم إلى شغلك فإنّ عندي فجلة قد أكلت البارحة خضرتها فأقوم أتغدّى بجزرتها « 1 » . وقال أبو بكر العكبري : سمعت الحربيّ يقول : ما تروّحت ولا روّحت « 2 » ، ولا أكلت من شيء واحد في يوم مرّتين « 1 » . وقال أحمد بن سلمان القطيعي : أضقت إضاقة فمضيت إلى إبراهيم الحربي لأبثّه ما أنا فيه فقال لي : لا يضيق صدرك فإنّ اللّه من وراء المعونة ، وإني أضقت مرّة حتى انتهى أمري في الإضاقة إلى أن عدم عيالي قوتهم ، فقالت لي الزوجة : إني وإياك نصبر فكيف نصنع بهاتين الصبيّتين ؟ فهات شيئا من كتبك حتى نبيعه أو نرهنه . فضننت بذلك وقلت : اقترضي لهما شيئا وأنظريني بقيّة اليوم والليلة ، وكان لي بيت في دهليز داري فيه كتبي ، فكنت أجلس فيه للنّسخ والنظر ، فلما كان في تلك الليلة إذا داقّ يدقّ الباب ، فقلت : من هذا ؟ قال : رجل من الجيران . فقلت ادخل . فقال : أطفى السّراج حتى أدخل . فكببت على السراج شيئا وقلت : ادخل . فدخل وترك إلى جانبي شيئا وانصرف ، فكشفت عن السراج ونظرت ، فإذا منديل له قيمة وفيه أنواع من الطعام وكاغد فيه خمس مائة درهم ، فدعوت الزوجة وقلت : أنبهي الصّبيان حتى يأكلوا . ولما كان من الغد قضينا دينا كان علينا من تلك الدراهم ، وكان وقت مجيء الحاجّ من خراسان ، فجلست على بابي من غد تلك الليلة ، فإذا جمّال يقود جملين عليهما حملان ورقا « 3 » وهو يسأل عن منزل إبراهيم الحربي ، فانتهى إليّ فقلت : أنا إبراهيم

--> ( 1 ) تاريخ بغداد 6 / 31 . ( 2 ) زاد في تاريخ بغداد : « قط » . وقوله : روّح وتروّح ؛ من الترويح من الحرّ بالمروحة ، أو من الرّواح وهو العود إلى البيت وطلب الراحة ، ومنه الحديث « فقد رأيتهم يتروّحون في الضّحى » اللسان ( روح ) . وقد صحّفت العبارة في بعض المصادر إلى « ما تزوّجت ولا زوّجت » . ( 3 ) ضبطت الراء بالكسر في ( ل ) : « ورقا » .