مجد الدين ابن الأثير
245
المختار من مناقب الأخيار
الدنيا فمدحناها ، وأبغضها فأحببناها ، وزهّدنا فيها فآثرناها ورغبنا في طلبها ، ووعدكم خراب الدنيا فحصّنتموها ، ونهيتم عن طلبها فطلبتموها ، وأنذرتم الكنوز فكنزتموها ؛ دعتكم إلى هذه الغرّارة دواعيها فأجبتم مسرعين مناديها ؛ خدعتكم ومنّتكم فانقدتم خاضعين لأمانيّها ، تتمرّغون في زهراتها ، وتتنعّمون في لذّاتها ، وتتقلّبون في شهواتها ، وتتلوّثون بتبعاتها ، تنبشون بمخالب الحرص عن مخازنها « 1 » ، وتحفرون بمعاول الطّمع في معادنها ، وتبنون بالغفلة في أماكنها ، وتحصّنون بالجهل في مساكنها ، تريدون أن تجاوروا اللّه في داره ، وتحطّوا رحالكم بقربه بين أوليائه وأصفيائه وأهل ولايته ، وأنتم غرقى في بحار الدنيا ، فمن جمعها ما تشبعون ، ومن التنافس فيها ما تملّون ، كذبتكم واللّه أنفسكم ، وغرّتكم ومنّتكم الأمانيّ ، وعلّلتكم بالتواني ، حتى لا تعطوا اليقين من قلوبكم ، والصدق من نيّاتكم ، وتتنصّلوا إلى اللّه من مساوئ ذنوبكم ، وتعبدوه في بقيّة أعماركم ، أما سمعتم اللّه تعالى يقول في محكم كتابه : أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ [ ص : 28 ] لا تنال جنّته إلا بطاعته ، ولا تنال ولايته إلا بمحبّته ، ولا تنال مرضاته إلا بترك معصيته ، فإنّ اللّه قد أعدّ المغفرة للأوّابين ، وأعدّ الرحمة للتوّابين ، وأعدّ الجنّة للخائفين ، وأعدّ الحور للمطيعين ، وأعدّ رؤيته للمشتاقين . وقال : الزهد ثلاثة أصناف : فزهد فرض ؛ وزهد سلامة ؛ وزهد فضل . فالفرض : الزّهد في الحرام ، والسلامة : الزّهد في الشبهات ؛ والفضل : الزهد في الحلال . وقال إبراهيم : كان يقال : ليس شيء أشدّ على إبليس من العالم الحليم ، إن تكلّم تكلّم بعلم ، وإن سكت سكت بحلم . قال إبليس :
--> ( 1 ) في ( أ ) : « مخازيها » .