مجد الدين ابن الأثير

238

المختار من مناقب الأخيار

عليه . فقال إبراهيم : إنّ اللّه قادر على أن يطعمكموه . قال : فبينا نحن كذلك إذا بأسد يطرد أيّلا ، فلما قرب منّا وقع واندقّ عنقه ، فقام إبراهيم وقال : اذبحوه فقد أطعمكم اللّه عزّ وجل . فذبحناه وشوينا من لحمه وأكلنا ، والأسد واقف ينظر إلينا . وقال مضاء بن عيسى « 1 » : ما فاق إبراهيم أصحابه بصلاة ولا صيام ، ولكن بالصدقة والسّخاء . وقال أحمد بن عبد اللّه صاحب إبراهيم بن أدهم : كان إبراهيم من أبناء ملوك خراسان ، فبينا هو ذات يوم « 2 » مشرف من قصره إذ نظر إلى رجل بيده رغيف يأكله في فيء قصره ، فاعتبر وجعل ينظر إليه حتى أكل الرغيف ، ثم شرب ماء ثم نام ، فألهم اللّه عزّ وجلّ إبراهيم الفكر فيه ، فوكّل به بعض غلمانه وقال : إذا قام هذا من نومه فجئني به . فلما قام الرجل قال له الغلام : صاحب هذا القصر يريد أن يكلّمك . فدخل إليه مع الغلام ، فلما نظر إليه إبراهيم قال له : أيها الرجل ! أكلت الرغيف وأنت جائع ؟ قال : نعم . قال : وشبعت ؟ قال : نعم . قال إبراهيم : وشربت تلك الشربة من الماء ورويت ؟ قال : نعم . وقال : ونمت طيّبا بلا شغل ولا همّ ؟ قال : نعم . قال إبراهيم : فقلت في نفسي : فما أصنع أنا بالدنيا والنفس تقنع بما رأيت ؟ ! فخرج إبراهيم سائحا إلى اللّه تعالى على وجهه . فلقيه رجل حسن الوجه ، حسن الثياب ، طيّب الريح ، فقال له : يا غلام ! من أين وإلى أين ؟ فقال له إبراهيم : من الدنيا إلى الآخرة . فقال له : يا غلام ! أنت جائع ؟ قال : نعم . فقام الشيخ فصلّى ركعتين خفيفتين وسلّم ، فإذا عن يمينه طعام وعن يساره ماء ، فقال لي : كل . فأكلت بقدر شبعي وشربت بقدر ريّي ، ثم قال لي

--> ( 1 ) في ( أ ) : « مضر بن عيسى » تصحيف ، والمثبت من ( ل ) ، وترجمته ستأتي 3 / 485 من المنسوخ والحلية 7 / 391 ، والبداية والنهاية 10 / 139 . ( 2 ) في ( أ ) : « ذات ليلة » ، والمثبت من ( ل ) .