مجد الدين ابن الأثير
213
المختار من مناقب الأخيار
ويحك ! اشتغل باللّه . فسألته الثالثة فقال : كان أبي من أهل بلخ ، وكان من المياسير والأشراف ، وحبّب إليّ الصّيد ، فخرجت راكبا فرسي وكلبي معي ، فبينما أنا كذلك فثار أرنب أو ثعلب ، فحركت فرسي ، فسمعت نداء من ورائي : ليس لذا « 1 » خلقت ، ولا بذا أمرت . فوقفت انظر يمنة ويسرة فلم أر أحدا ، فقلت : لعن اللّه إبليس ، ثم حرّكت فرسي فأسمع نداء من قربوس سرجي « 2 » : يا إبراهيم ! ما لذا خلقت ولا بذا أمرت . فوقفت فقلت : أنبهت أنبهت ، جاءني نذير من ربّ العالمين ، واللّه لا عصيت اللّه بعد يومي هذا ما عصمني ربي . فرجعت إلى أهلي ، فخلّيت فرسي ، ثم جئت إلى راع من رعاة لأبي ، فأخذت منه جبّة وكساء ، وألقيت ثيابي ، ثم أقبلت إلى العراق ، أرض ترفعني وأرض تضعني ، حتى وصلت إلى العراق ، فعملت بها أياما ، فلم يصف لي فيها شيء من الحلال ؛ فسألت بعض المشايخ عن الحلال ، فقالوا لي : إذا أردت الحلال فعليك ببلاد الشام . فسرت إلى بلاد الشام ، وسرت إلى بلد « 3 » يقال لها المنصورة - وهي المصّيصة « 4 » - فعملت بها أياما ، فلم يصف لي فيها شيء من الحلال ، فسألت بعض المشايخ فقالوا لي : إن أردت الحلال الصافي فعليك بطرسوس « 5 » فإن فيها المباحات والعمل الكثير . فتوجّهت إلى طرسوس فعملت بها أياما ، انظر البساتين وأحصد الحصاد ، فبينا أنا قاعد على باب البحر جاءني رجل ، فاكتراني انظر له بستانه ، فكنت في البستان أياما كثيرة ، فإذا أنا بخادم قد أقبل ومعه
--> ( 1 ) في ( أ ) : « لهذا » ، والمثبت من ( ل ) والحلية . ( 2 ) القربوس : حنو السّرج ، فيه عضدان ، وهما رجلا السرج . اللسان ( قربس ) . ( 3 ) في ( ل ) : « مدينة » ، والمثبت من ( أ ) . ( 4 ) المصّيصة : مدينة على شاطى نهر جيحان من ثغور بلاد الشام بين أنطاكية وبلاد الروم . انظر معجم البلدان 5 / 145 وبلدان الخلافة الشرقية ص 162 خريطة رقم 4 ، وموقعها اليوم إلى الجنوب الغربي من تركية . ( 5 ) طرسوس : مدينة بثغور الشام بين أنطاكية وحلب وبلاد الروم . انظر معجم البلدان 4 / 28 .