مجد الدين ابن الأثير

202

المختار من مناقب الأخيار

بك عرف بيني وبينك . فقلت : صدقت ، إلى أين تريد ؟ قال : إلى مكة . قلت : ومن أين أنت ؟ قال : أنا من بخارى . فبقيت متعجّبا انظر إليه ! فنظر إليّ شزرا وقال : يا إبراهيم ! أتعجب من قويّ يحمل ضعيفا ويرفق به ؟ ثم دمعت عيناه وأرسل دموعا ، فقلت : لا يا حبيبي . وتركته على حاله ومضيت . فلما دخلت مكة رأيته في الطواف وهو يزحف زحفا . وروي أنّ جماعة تذاكروا عند إبراهيم الخوّاص أحوال إبراهيم بن أدهم ، وأنه كان يتناول الرّطب من شجر البلّوط ، فقال الخواص : هذا من أقلّ أحوال إبراهيم بن أدهم . ثم قال : أيّ شيء تشتهون أنتم ؟ فقالوا له : المشمش . فقال : هذا مشمش . فظهر بين أيديهم عقيب كلامه مشمش أصفر كأمثال البيض ! فأكلوا ؛ فأراد بعض أصحابه أن يأخذ منه فقال : خلّه وقم بنا . فقمنا وتركناه . وقال أبو الحسن البحراني : كنت شديد الإنكار على الصوفية ، أردّ عليهم علومهم وأبغض مذاهبهم ، فدخلت إلى بغداد وأنا أكتب الحديث ، فرأيت جماعة في مسجد الجامع مجتمعين ، وفيهم إبراهيم الخوّاص ، فتقدّمت إليهم رجاء أن يكونوا في حديث أستفيده ؛ فلما سمعت كلام إبراهيم وصحّة ما يذكره ملكني حقيقة ما كان يدعو إليه ويدلّ عليه ، فقلت : هذا علم صحيح لا بدّ للخلق من استعماله ، فلزمته ولم أفارقه ، وفرّقت جميع ما كنت جمعته من الكتب ، وكانت نحو حملين ، وإبراهيم لا يكلّمني أياما كثيرة ، فلما كان بعد أيام قال لي : أرى قلبك مشغولا بالحجّ ، فمعك شيء من الدنيا ؟ - وكان كذلك - فقلت : نعم . ذهبت فأتيته بمائة دينار ، فأخذها وفرّقها ولم يرتفق منها بشيء ؛ فلما كان بعد أيام قال لي : بقي معك شيء ؟ قلت : نعم . فأتيته بمائة دينار أخرى كنت بقّيتها عندي لشدّة . فأخذها وفرّقها أيضا مثل الأولى ، ثم قال لي بعد أيام « 1 » : بقي معك شيء

--> ( 1 ) ما بعد هذا اللفظ ساقط من ( أ ) إلى ص 210 موضع الحاشية ( 1 ) من هذا الجزء .