مجد الدين ابن الأثير

199

المختار من مناقب الأخيار

وقال إبراهيم : رأيت « 1 » غلاما في التّيه كأنّه سبيكة فضّة ، فقلت : إلى أين يا غلام ؟ فقال : إلى مكة . فقلت : بلا زاد ولا راحلة ولا نفقة ؟ فقال لي : يا ضعيف اليقين ! الذي يقدر على حفظ السماوات والأرضين بلا علاقة لا يقدر أن يوصلني إلى مكة بلا نفقة ؟ فلما دخلت مكة إذا أنا به في الطواف وهو يقول : يا عين سحّي أبدا * يا نفس موتي كمدا ولا تحبّي أحدا * إلا الجليل الصّمدا فلما رآني قال لي : يا شيخ ! أنت بعد على ذلك الضعف من اليقين ؟ وقال حامد الأسود : كنت مع إبراهيم الخوّاص في سفر ، فجئنا إلى موضع فيه حيّات كثيرة ، فوضع ركوته وجلس وجلست معه ، فلما برد الليل وبرد الهواء خرجت الحيّات فصحت : يا شيخ ! فقال : اذكر اللّه . فذكرت اللّه تعالى ، فرجعت ثم عادت فصحت به ، فقال مثل ذلك ، فلم أزل إلى الصباح على مثل ذلك الحال ، فلما أصبحنا قام يمشي ، ومشيت معه ، فسقط من وطابه حيّة عظيمة قد تطوّقت « 2 » ، فقلت له : ما أحسست بها ؟ فقال : لا ، ومنذ زمان ما بتّ أطيب من البارحة . وقال إبراهيم : دخلت البادية مرّة فرأيت نصرانيّا على وسطه زنّار ، فسألني الصحبة ، فمشينا سبعة أيام فقال : يا راهب الحنفية ! هات ما عندك من الانبساط ، فقد جعنا . فقلت : إلهي لا تفضحني مع هذا الكافر . فرأيت طبقا عليه خبز وشواء ، ورطب وكوز ماء ؛ فأكلنا وشربنا ومشينا سبعة أيام ، ثم بادرت وقلت : يا راهب النصرانية ! هات ما عندك فقد انتهت النّوبة إليك . فاتكأ على عضادة « 3 » ودعا ، فإذا بطبقين عليهما أضعاف ما كان على طبقي .

--> ( 1 ) في ( ل ) : « لقيت » ، والمثبت من ( أ ) . ( 2 ) تطوّقت الحية : صارت كالطّوق . أساس البلاغة ( طوق ) . ( 3 ) في ( أ ) : « عصاه » ، والمثبت من ( ل ) .