مجد الدين ابن الأثير
140
المختار من مناقب الأخيار
كلّ امرئ ملاق ما يفرّ منه في فراره ، والأجل مساق للنفس ، والهرب منه « 1 » موافاته ؛ كم أطردت الأيام أبحثها عن مكنون هذا الأمر « 2 » ، فأبى اللّه إلّا إخفاءه ، هيهات ، علم مخزون . أمّا وصيتي ، فاللّه عزّ وجلّ ربي لا تشركوا به شيئا ، ومحمد صلّى اللّه عليه وسلم نبيّي فلا تضيّعوا سنّته ، أقيموا هذين العمودين وخلاكم ذمّ ما لم تشردوا ؛ وحمّل كلّ امرئ مجهوده ، وخفّف عن الجهلة . ربّ رحيم ودين قويم ، وإمام عليم . كنا في رياح وذرا أغصان ، وتحت ظلّ غمامة اضمحلّ مركزها ، فمخطّها عاف « 3 » ، جاوركم بدني أياما تباعا ، وستعقبون مني جثّة خلاء ، ساكنة بعد حركة صامتة بعد نطق ، ليعظكم هدوّي وخفوت أطرافي ، فإنه أوعظ للمعتبر من المنطق البليغ ، والقول المسموع ؛ وداعي لكم وداع امرئ مرصد للتلاقي ، غدا ترون أيّامي ، ويكشف لكم عن سرائري ، وتعرفوني بعد خلوّ مكاني ، وقيام غيري مكاني « 4 » . ثم قال : أنا بالأمس صاحبكم ، واليوم عبرة لكم ، وغدا مفارقكم . إن أبق فأنا وليّ دمي ، وإن أفن فالفناء ميعادي ، وإن أعف « 5 » فالعفو لي قربة ، وهو لكم حسنة ، فاعفوا أَ لا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ [ النور : 22 ] واللّه ما فجئني من الموت وارد كرهته ، ولا طالع « 6 » أنكرته ، وما كنت إلا كقارب ورد ، وطالب وجد وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ [ آل عمران : 198 ] « 7 » .
--> ( 1 ) في ( أ ، ل ) : « من » والمثبت من شرح البلاغة 9 / 116 . ( 2 ) قال ابن أبي الحديد : أي ما زلت أبحث عن كيفية قتلي ، وأي وقت يكون بعينه وفي أي أرض يكون يوما يوما ، فإذا لم أجده في اليوم أطردته واستقبلت غده اه . شرح نهج البلاغة 9 / 117 . ( 3 ) رواية شرح نهج البلاغة 9 / 193 : « فإنا كنا في أفياء أغصان ، ومهب رياح ، وتحت ظل غمام اضمحلّ في الجو متلفّقها ، وعفا في الأرض مخطّها » وقال في شرحها : مخطّها : أثرها ؛ كالخطّة . ومتلفّقها : مجتمعها . ( 4 ) في شرح نهج البلاغة : « مقامي » وهو أشبه . ( 5 ) في ( أ ، ل ) : « أعفو » والمثبت من شرح نهج البلاغة . ( 6 ) في ( أ ، ل ) : « طايع » ، والمثبت من شرح النهج . ( 7 ) ذكر الخطبة ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 9 / 116 ، 117 ، و 15 / 143 .