مجد الدين ابن الأثير

130

المختار من مناقب الأخيار

آجالكم بأعمالكم ، وابتاعوا ما يبقى لكم بما يزول عنكم ، وترحّلوا فقد جدّ بكم ، واستعدّوا للموت فقد أظلّكم ، وكونوا قوما صيح بهم فانتبهوا ، وعلموا أنّ الدنيا ليست لهم بدار فاستبدلوا ، فإنّ اللّه لم يخلقكم عبثا ولم يترككم سدى ، وما بين أحدكم وبين الجنة والنار إلا الموت أن ينزل به ، وإنّ غاية تنقصها اللّحظة ، وتهدمها الساعة لجديرة بقصر المدّة ، وإنّ غائبا يحدوه الجديدان الليل والنهار لجدير « 1 » بسرعة الأوبة ، وإنّ قادما يقدم بالفوز أو الشّقوة لمستحقّ لأفضل العدّة . فتزوّدوا في الدنيا ما تحرزون به نفوسكم غدا ، اتقى عبد ربّه نصح نفسه ، وقدّم توبته ، وغلب شهوته ، فإنّ أجله مستور عنه ، وأمله خادع له ، وإنّ الشيطان موكل به ، يزيّن له المعصية ليركبها ويمنّيه التوبة ليسوّفها حتى تهجم منيّته عليه أغفل ما يكون عنها ، فيا لها حسرة على كلّ ذي غفلة أن يكون عمره عليه حجّة ، وأن تؤدّيه أيامه إلى شقوة ؛ نسأل اللّه أن يجعلنا وإيّاكم ممن لا تبطره نعمة ، ولا تقصّر به عن طاعة ربه غاية « 2 » ، ولا يحلّ به بعد الموت ندامة ولا كآبة . وقال عليّ رضي اللّه عنه من كلام : أيها الناس ، شقّوا أمواج الفتن بسفن النجاة ، وعرّجوا عن طريق المنافرة ، وضعوا تيجان المفاخرة ؛ أفلح من نهض بجناح ، أو استسلم فأراح ، ماء آجن « 3 » ، ولقمة يغصّ بها آكلها ، ومجتني الثمرة لغير وقت إيناعها ، كالزارع بغير أرضه ، فإن أقل يقولوا حرص على الملك ، وإن أسكت يقولوا جزع من الموت ؛ هيهات ! بعد اللتيّا والتي ؛ واللّه لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمّه ، بل اندمجت على مكنون علم لو بحت به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطّويّ البعيدة « 4 » .

--> ( 1 ) في ( ل ) : « لحريّ » . ( 2 ) في ( أ ) : « غناؤه » ، والمثبت من ( ل ) . ( 3 ) الآجن : الماء المتغيّر الطعم واللون . القاموس ( أجن ) . ( 4 ) الطّويّ : البئر . القاموس ( طوي ) .