مجد الدين ابن الأثير
كلمة المركز 16
المختار من مناقب الأخيار
الأحداث السياسية ، فذاق من حلوها ومرّها ، وعسرها ويسرها ؛ فكان ملتزما بطاعة الأمير ، حتى إنه كان يحمّل نفسه المشقة والعنت ، فيذكر العز في التاريخ الباهر ، أن عزّ الدين مسعود ، عندما عاد من حصار الجزيرة العمرية سنة 587 ه فلما انتهى إلى الموصل ، أمر أن لا يدخل أحد إلى البلد ، وأن يضربوا خيامهم حولها ، فبينا هو يطوف بين الخيام إذ رأى مجد الدين في خيمته ، فقال له متعجبا : أرى خيمتك هاهنا ؟ ! فأجابه : لأنك رسمت أن لا يدخل أحد . فقال له : إلّا أنت ، فإنّ والدك أثير الدين له مدة ما رآك ، ولا شكّ أنه قد اشتاقك ، فتدخل إليه وتسلم عليه وتسأله الدعاء ، ولا تجيء إلينا إلا بعد ثلاثة أيام . فامتنع المجد من ذلك وقال : أنا أبصره وأعود للخدمة . فلم يرخّص له في ذلك ، وألزمه بقصد والده والإقامة عنده « 1 » . ولا أدلّ على تمكن وشائج صلته بالولاة من مكانته عند ابن زنكي الذي كثيرا ما كان يأخذ برأيه ومشورته ، يقول المجد : « ما قلت له يوما في فعل خير ما فامتنع منه ، بل بادر إليه بفرح واستبشار « 2 » » ، وقوله لأخيه العز بعد أن صرف طبيبه المشرف على مرضه : « إنني في راحة مما كنت فيه من صحبة هؤلاء القوم والالتزام بأخطارهم ، وقد سكنت روحي إلى الانقطاع والدعة ؛ وقد كنت بالأمس - وأنا معافى - أذلّ روحي بالسعي إليهم ، وها أنا اليوم قاعد في منزلي ، فإذا طرأت أمور ضرورية جاءوا لي بأنفسهم لأخذ رأيي ، وبين هذا وذاك كثير ، وإنما أحدثه هذا الألم ، ولا أرى زواله ولا معاناته ،
--> ( 1 ) التاريخ الباهر 186 ، 187 . ( 2 ) الكامل 12 / 291 .