مجد الدين ابن الأثير

60

المختار من مناقب الأخيار

قال : فإن مضيت ما ذا يكون يا أعرابي ؟ قال : واللّه عن حالي لتسألنّه * ثم تكون المسألات ثمّه والواقف المسؤول بينهنّه * إمّا إلى نار وإمّا جنّه قال : فبكى عمر رضي اللّه عنه حتى اخضلّت لحيته ، ثم قال : يا غلام ! أعطه قميصي هذا لذلك اليوم لا لشعره ، واللّه ما أملك قميصا غيره « 1 » . وقال أسلم : إنّ عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه طاف ليلة ، فإذا بامرأة في جوف دارها وحولها صبيان يبكون ، وإذا قدر على النار قد ملأتها ماء ، فدنا عمر من الباب وقال : يا أمة اللّه ! أيش بكاء هؤلاء الصبيان ؟ فقالت : بكاؤهم من الجوع . قال : فما هذه القدر التي على النار ؟ فقالت : قد جعلت فيها ماء أعلّلهم بها حتى يناموا ، وأوهمهم أنّ فيها شيئا . فجلس عمر فبكى . قال : ثم جاء إلى دار الصدقة ، وأخذ غرارة وجعل فيها شيئا من دقيق وسمن وشحم وتمر وثياب ودراهم ، حتى ملأ الغرارة ثم قال : يا أسلم ! احمل عليّ . قال : فقلت : يا أمير المؤمنين ! أنا أحمله عنك . فقال لي : لا أمّ لك يا أسلم ! بل أنا أحمله ، لأني أنا المسؤول عنهم في الآخرة . قال : فحمله على عنقه « 2 » حتى أتى به منزل المرأة وأخذ القدر ، فجعل فيها دقيقا وشيئا من شحم وتمر ، وجعل يحرّك بيده وينفخ تحت القدر - وكانت لحيته عظيمة ، فرأيت الدخان يخرج من خلل لحيته - حتى طبخ لهم ، ثم جعل يغرف بيده ويطعمهم حتى شبعوا . ثم خرج وربض بحذائهم كأنه سبع ، وخفت منه أن أكلّمه ، فلم يزل كذلك حتى لعبوا وضحكوا . ثم قام

--> ( 1 ) الخبر والشعر في تاريخ بغداد 4 / 310 وابن عساكر في تاريخه 53 / 298 ، 299 ( المختصر 19 / 12 ) . ( 2 ) في الرياض : « عاتقه » .