ابن الجوزي

91

صفة الصفوة

قال : كان لي وقت فترة « 1 » ، فكنت أخرج كلّ يوم إلى شطّ نهر كبير كان حواليه الخوص ، وكنت أقطع شيئا من ذلك وأسفّه « 2 » قفافا وأطرحه في ذلك النهر فأتسلّى بذلك وكأني كنت مطالبا به ، فجرى وقتي على ذلك أياما كثيرة فتفكرت يوما وقلت : أمضي خلف ما أطرحه في الماء من القفاف لأنظر أين تذهب فمضيت على شاطئ النهر ساعات ولم أعمل ذلك اليوم فإذا عجوز قاعدة على شطّ النهر تبكي ، قلت : ما لك تبكين ؟ فقالت : لي خمسة من الأيتام مات أبوهم فأصابني الفقر والشدة فأتيت يوما هذا الموضع فجاء على رأس الماء قفاف من الخوص فأخذتها وبعتها وأنفقت عليهم ، وأتيت اليوم الثاني والثالث والقفاف تجيء على رأس الماء فكنت آخذها وأبيعها ، واليوم ما جاءت . قال إبراهيم : فرفعت يدي إلى السماء وقلت : اللهم لو علمت أن لي خمسة من العيال لزدت في العمل . وقلت للعجوز : لا تغتمّي فإني الذي كنت أعمل ذلك . فمضيت معها فكانت فقيرة فقمت بأمرها وبأمر عيالها سنين . أو كما قال . محمد بن زياد المقيم بكلواذى « 3 » وكان قد بكى حتى ذهبت عيناه . قال : سألت إبراهيم الخوّاص عن أعجب ما رآه في البادية فقال : كنت ليلة من الليالي في البادية فنمت على حجر فإذا أنا بشيطان قد جاء وقال : قم من هاهنا . فقلت : اذهب . فقال : إني أرفسك « 4 » فتهلك . فقلت : افعل ما شئت . فرفسني فوقعت رجله عليّ كأنها خرقة ، فقال : أنت وليّ اللّه ، من أنت ؟ قلت : أنا إبراهيم الخواص . قال : صدقت : ثم قال : يا إبراهيم معي حلال وحرام ، فأما الحلال فرمّان من الجبل المباح ، وأما الحرام فحيتان « 5 » ، مررت على صيّادين وهما يصطادان فتخاونا فأخذت الخيانة فكل أنت الحلال ودع الحرام . حامد الأسود قال : كنت مع إبراهيم الخوّاص في سفر فدخلنا إلى بعض الغياض فلما أدركنا الليل إذا بالسباع قد أحاطت بنا فجزعت لرؤيتها وصعدت إلى

--> ( 1 ) أي وقت استراحة . ( 2 ) أي أنسجه . ( 3 ) اسم موضع قرب بغداد . ( 4 ) يقال : رفسه أي ضربه برجله . ( 5 ) جمع حوت وهي الأسماك .