ابن الجوزي
54
صفة الصفوة
639 - عابد آخر أحمد بن محمد البزّاز قال : كنت بعبّادان وكانت ليلة عاشوراء ، فدخلت إلى دار السّبيل فرأيت فقيرا جالسا يأكل خبز الشعير وملحا جريشا « 1 » فاحترق قلبي عليه وكان معي ألف دينار للتفرقة بعبّادان فسألت عنه فقيل : هو أفضل من ههنا في الزهد ومنازلة الفقر فقلت في نفسي : أعطيه الدنانير التي معي فإنّي لا أعرف المستحقّين . فلما أصبحنا قصدته وسلّمت عليه وجلست إليه وباسطني وباسطته فقلت له : رأيت الشيخ البارحة يأكل خبز الشعير وملحا جريشا وأعلم أنه كان صائما فحملت إليه شيئا ليتحكم فيه . وقدّمت إليه الكيس وقلت له : هو ألف دينار فشدّد النظر وقال : خذه فإن هذا جزاء من أفشى سرّه إلى الناس . 640 - عابد آخر أبو الخير الأسود المعروف بالعسقلاني قال : كان بعبّادان رجل زنجي مفلفل الشعر يأوي الخربات ، فحملت معي شيئا وطلبته فلما رفع بصره تبسّم وأشار بيده إلى الأرض ، فرأيت حواليّ حيث أرى دراهم ودنانير تلمعان . ثم قال لي : هات ما معك فناولته وهربت وهالني أمره . 641 - عابد آخر عبد اللّه بن محمد قال : كتب إليّ إسحاق بن موسى الأنصاري يذكر أن عبّاد بن كليب حدثهم قال : كنت بعبّادان فرأيت شابا من قريش عليه جبة صوف فسمعته يقول : إنّ للّه عبادا يستروحون إلى الغموم فقلت : يرحمك اللّه تلبس الصوف ؟ فقال : إنما أنا عبد فإذا أعتقت لبست فذكرت ذلك لشريك فقال : ما أكره الصّوف لمثل هذا ، ما خرج هذا الكلام إلا من كنز .
--> ( 1 ) أي غير ناعم .