ابن الجوزي
47
صفة الصفوة
ذكر المصطفيات من عابدات الأبلة 630 - شعوانة معاذ بن الفضل ، أبو عون ، قال : بكت شعوانة حتى خفنا عليها العمى ، فقلنا لها في ذلك ، فقالت : أعمى واللّه في الدنيا من البكاء أحبّ إليّ من أن أعمى في الآخرة من النار . مالك بن ضيغم قال : كان رجل من أهل الأبلّة يأتي أبي كثيرا فيذكر له شعوانة وكثرة بكائها فقال له أبي يوما : صف لي بكاءها ؟ فقال : يا أبا مالك أصف لك ، هي واللّه تبكي الليل والنهار لا تكاد تفتر قال : ليس عن هذا أسألك ، كيف تبتدئ بالبكاء ؟ قال : نعم يا أبا مالك تسمع الشيء من الذّكر فترى الدموع تنحدر من جفونها كالقطر . قال : فمجاري الدموع من المآق الذي على الأنف أكثر أم مؤخر العين مما يلي الصدغ ؟ قال يا أبا مالك إنّ دموعها أكثر من أن يعرف هذا من هذا ، ما هي إلا أن تسمع [ الذكر ] فتجيء عيناها بأربع نجوما متبادرة جدا . فبكى أبي وقال : ما أرى الخوف إلا قد أحرق قلبها كلّه ، ثم قال : كان يقال إن كثرة الدموع وقلّتها على قدر احتراق القلب ، حتى إذا احترق القلب كله لم يشأ الحزين أن يبكي إلا بكى ، والقليل من التذكرة يحزنه . قال مالك بن ضيغم : وقال لي أبي يوما انطلق مع « منبوذ » حتى تأتي هذه المرأة الصالحة فتنظر إليها ، يعني شعوانة ، فانطلقت أنا وأبو همّام إلى الأبلّة ثم غدونا عليها فدخلنا فسلّم عليها منبوذ وقال : هذا ابن أخيك ضيغم . فرحّبت بي وتحفّت وقالت مرحبا بابن من لم نره ونحن نحبّه ، أما واللّه يا بنيّ إني لمشتاقة إلى أبيك وما يمنعني من إتيانه إلا أني أخاف أن أشغله عن خدمة سيده ، وخدمة سيّده أولى به من محادثة شعوانة .