ابن الجوزي
4
صفة الصفوة
حسنة يجدها الرجل في صحيفته يوم القيامة لم يعملها ولم يعلم بها . وسمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول ، وأراد أن يبيع أرضا له فقال الدّلّال : أعطيت بالجريب خمسين ومائتي دينار ولكن نظر إلى أرض خراب ونخل بادية العروق ، فلو كانت مسمّدة رجوت أن أبيع الجريب « 1 » بفضل خمسين دينارا وهذا كثير أربعة آلاف دينار أذهب أنا وغلامك حتى نسمّدها « 2 » ونبيعها . فغضب وقال : أربعة آلاف دينار ؟ أعوذ باللّه من الشّيطان الرجيم لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ [ سورة المائدة آية 100 ] لا ولا كذا . أظنه قال : ولا مائة ألف . قال عبد الرحمن بن عمر : وحدثني - يحيى بن عبد الرحمن بن مهدي أن أباه كان يحيي الليل كلّه - . قال عبد الرحمن بن عمر : وسمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول : واللّه لا تجد فقد شيء تركته ابتغاء وجه اللّه ، كنت أنا وأخي شريكين فأصبنا مالا كثيرا فدخل قلبي من ذلك شيء فتركته للّه وخرجت منه فما خرجت من الدنيا حتى ردّ اللّه عليّ ذلك المال عامّته إليّ وإلى ولدي ، زوّج أخي ثلاث بنات من بنيّ وزوجت ابنتي من ابنه ، ومات أخي فورثه أبي ، ومات أبي فورثته أنا ، فرجع ذلك كلّه إليّ وإلى ولدي في الدنيا . أسند عبد الرحمن عن الأئمة كمالك بن أنس « 3 » والثّوري « 4 » وشعبة والحمّادين ، وقد أدرك جماعة من التّابعين منهم : جرير بن حازم « 5 » ، والمثنّى بن سعيد ، وصالح بن درهم . وتوفي بالبصرة في جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين ومائة ، وهو ابن ثلاث وستين سنة .
--> ( 1 ) الجريب من الطعام مقدار معلوم وجمعه أجربة وجربان ، والجريب من الأرض مبذر الجريب الذي هو المكيال ، نقلهما الأزهري . ( 2 ) تسميد الأرض : جعل السماد فيها . ( 3 ) هو أبو عبد اللّه مالك بن أنس الحميري الأصبحي توفي سنة تسع وسبعين ومائة . ( 4 ) هو جرير بن حازم الأزدي البصري أحد فقهاء البصرة ومحدثيها ، توفي سنة سبعين جزم به في العبر . ( 5 ) هو أبو عبد اللّه سفيان بن سعيد الثوري الفقيه سيد أهل زمانه علما وعملا ، توفي سنة إحدى وستين ومائة .