ابن الجوزي

38

صفة الصفوة

عن سيّار قال : حدثني رياح قال : ذكرت لي امرأة فتزوّجتها ، فكانت إذا صلّت العشاء الآخرة تطيّبت وتدخّنت « 1 » ولبست ثيابها ثم تأتيني فتقول : ألك حاجة ؟ فإن قلت : نعم ، كانت معي ، وإن قلت : لا ، قامت فنزعت ثيابها ثم صفّت بين قدميها حتى تصبح . قال رياح : ففحّتني واللّه . 615 - ابنة أم حسان الأسدية عن سفيان الثوري قال : دخلت عليّ بنت حسان الأسدية وفي جبهتها مثل ركبة العنز من أثر السجود . فقلت لها : يا بنت أم حسان ألا تأتين عبد اللّه بن شهاب ابن عبد اللّه ؟ فلو رفعت إليه رقعة فلعله أن يعطيك من زكاة ماله ما تغيّرين به بعض الحاجة التي أراها بك . فدعت بمعجر « 2 » فاعتجرت به وقالت : يا سفيان قد كان لك في قلبي رجحان كثير فقد أذهب اللّه برجحانك من قلبي ، يا سفيان تأمرني أن أسأل الدنيا من لا يملكها ؟ . قال سفيان : وكان إذا جنّ عليها الليل « 3 » دخلت محرابا لها وأغلقت عليها ثم نادت : إلهي خلا كلّ حبيب بحبيبه ، وأنا خالية بك يا محبوب ، فما كان من سخن يسخّن من عصاك إلّا جهنم ، ولا عذاب إلا النار . قال سفيان ، فدخلت عليها بعد ثلاث فإذا الجوع قد أثّر في وجهها . فقلت لها : يا بنت أم حسان إنك لن تؤتي أكثر مما أوتي موسى والخضر عليهما السلام ، إذ أتيا أهل قرية استطعما أهلها . فقالت : يا سفيان قل الحمد للّه - . فقلت : الحمد للّه . فقالت : اعترفت له بالشكر ؟ قلت : نعم . قالت : وجب عليك من معرفة الشكر شكر وبمعرفة الشكرين شكر لا ينقضي أبدا .

--> ( 1 ) الدخنة كالذريرة تدخن بها البيوت كالبخور . ( 2 ) المعجر بالكسر ما تشد المرأة على رأسها يقال : اعتجرت المرأة ، والاعتجار أيضا لف العمامة على الرأس . ( 3 ) جن عليه الليل وجنه الليل يجنه بالضم جنونا وأجنه مثله ، والمعنى في الكل : ستره .