ابن الجوزي
359
صفة الصفوة
غرفة ، فكنت أسمع قراءته من الليل ، وكان لا ينام من الليل إلا يسيرا ، قال : فغاب غيبة إلى مكة وكنت أسمع القراءة من غرفته على نحو من صوته كأني لا أنكر من الصوت شيئا . قال : وباب الغرفة مغلق ، فلم يلبث أن قدم من سفره فذكرت له ذلك ، فقال : وما أنكرت من ذلك ؟ هؤلاء سكان الدار يصلون بصلاتنا ويسمعون لقراءتنا . قال : قلت : أفتراهم ؟ قال لا . ولكني أحسّ بهم وأسمع تأمينهم عند الدعاء ، وربما غلب عليّ النوم فيوقظوني . قال القرشي : وحدثني خلف قال : كان فتى من أهل الكوفة متعبدا يقال له عرفجة ، وكان يحيي الليل صلاة . قال : فاستزاره بعض إخوانه ذات ليلة فاستأذن أمه في زيارته فأذنت له : قالت العجوز : فلما كان الليل إذا أنا في منامي برجال قد وقفوا عليّ فقالوا : يا أمّ عرفجة ! لم أذنت لإمامنا الليلة ؟ . أبو عمران التّمار قال : غدوت يوما قبل الفجر إلى مسجد الحسن الحفري فإذا باب المسجد مغلق ، وإذا الحسن جالس يدعو ، وإذا ضجّة في المسجد وجماعة يؤمّنون على دعائه ، فجلست على باب المسجد حتى فرغ من دعائه ثم قام فأذّن وفتح باب المسجد فدخلت فلم أجد في المسجد أحدا ، فلما أصبح وتفرّق من عنده قلت له : يا أبا سعيد إني واللّه رأيت عجبا ، قال : وما رأيت ؟ فأخبرته بالذي رأيت وسمعت . فقال : أولئك جنّ من أهل نصيبين يجيئون يشهدون معي ختم القرآن كل ليلة جمعة ثم ينصرفون . محمد بن عبد العزيز بن سلمان العابد قال : كان أبي إذا قام من الليل يتهجّد سمعت في الدار جلبة شديدة واستسقاء للماء كثيرا . قال : فنرى أن الجن كانوا يتيقظون لتهجّده فيصلون معه . سريّ السقطي قال : بدوت يوما من الأيام وأنا حدث فطاب وقتي وجنّ عليّ الليل وأنا بفناء جبل لا أنيس به فناداني مناد من جوف الجبل : لا تدور القلوب في الغيوب حتى تذوب النفوس من مخافة فوت المحبوب . قال : فتعجبت وقلت جنيّ يناديني أم إنسي ؟ قال : بل جنيّ مؤمن باللّه عزّ وجل ومعي إخواني ، قال : قلت فهل عندهم ما عندك ؟ قال : نعم وزيادة . قال : فناداني الثاني منهم : لا تذهب من البدن الفترة إلا بدوام الغربة ، قال : فقلت في نفسي : ما أبلغ كلامهم . فناداني