ابن الجوزي

347

صفة الصفوة

ألست ذا النون المصري ؟ قلت : عافاك اللّه كيف عرفتني فقالت : عرفتك بمعرفة حبّ الحبيب ، ثم قالت : أسألك عن مسألة ، قلت : سلي ، فقالت : أيّ شيء السخاء ؟ قلت : البذل والعطاء . قالت : هذا سخاء في الدنيا فما السخاء في الدّين ؟ قلت : المسارعة إلى طاعة اللّه تعالى . قالت : فإذا سارعت إلى طاعة اللّه فهو أن يطّلع على قلبك وأنت لا تريد منه شيئا ، ويحك يا ذا النون إني أريد أن أطلب منه شهوة منذ عشرين سنة ، فأستحيي منه مخافة أن أكون كأجير السوء ، إذا عمل طلب الأجر ، ولكن اعمل تعظيما لهيبته وعز جلاله ومرّت وتركتني . 995 - عابدة أخرى ذو النون المصري قال بينما أنا أسير في تيه بني إسرائيل إذا أنا بجارية سوداء قد استلبها الوله من حبّ الرحمن ، شاخصة ببصرها نحو السماء . فقلت : السلام عليك يا أختاه فقالت : وعليك السلام يا ذا النون . فقلت لها : من أين عرفتني يا جارية ؟ فقالت : يا بطّال إن اللّه عزّ وجل خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام ثم أدارها حول العرش ، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف ، فعرّفت روحي روحك في ذلك الجولان . قلت : إني لأراك حكيمة ، علميني شيئا مما علّمك اللّه عزّ وجل ، فقالت : يا أبا الفيض ضع على جوارحك ميزان القسط حتى يذوب كل ما كان لغير اللّه ، ويبقى القلب مصفّى ليس فيه غير الربّ عزّ وجلّ ، فبعد ذلك يقيمك لي الباب ويولّيك ولاية جديدة ويأمر الخزّان لك بالطاعة . فقلت : يا أختاه زيديني ، فقالت : يا أبا الفيض خذ من نفسك [ لنفسك ] وأطع اللّه عزّ وجل إذا خلوت يجيبك إذا دعوت .