ابن الجوزي
345
صفة الصفوة
مولاك شوقا إلى لقائه . فإن له يوما يتجلى فيه لأوليائه وإنه تعالى سقاهم في الدنيا من محبته كأسا لا يظمئون بعدها أبدا ، ثم أقبلت تبكي وتقول : سيدي إلى كم تدعني في دار لا أجد فيها من يساعدني على بلائي ؟ ثم مضت وهي تقول : إذا كان داء العبد حبّ مليكه * فمن دونه يرجو طبيبا مداويا ؟ قلت : وقد رويت لنا هذه الحكاية بألفاظ أخر : أنبأ عبد الرحمن بن محمد القزاز قال : أنبأ أحمد بن علي بن ثابت قال : أنبأ القاضي أبو القاسم عبد الواحد بن محمد البجلي قال : أنبأ جعفر بن محمد الخلدي قال : حدثنا أحمد بن محمد بن مسروق قال : سمعت ذا النون المصري قال : بينا أنا في بعض مسيري لقيتني امرأة فقالت لي : من أين أقبلت ؟ قلت : رجل غريب . فقالت لي : ويحك وهل توجد مع اللّه أحزان الغربة وهو مؤنس الغرباء ومعين الضعفاء ؟ فبكيت ، فقالت لي : ما يبكيك ؟ قلت : وقع الدواء عليّ داء قد قرح فأسرع في نجاحه ، قالت : إن كنت صادقا فلم بكيت ؟ قلت : والصادق لا يبكي ؟ قالت : لا ، قلت : ولم قالت : إن البكاء راحة القلب وملجأ يلجأ إليه ، وما كتم القلب شيئا أحقّ من الشهيق والزفير ، فإذا أسبلت الدمعة استراح القلب ، وهذا ضعف عند الأولياء يا بطّال « 1 » ، فبقيت متعجّبا من كلامها ، فقالت لي : ما لك ؟ قلت : تعجبا من هذا الكلام . قالت : وقد أنسيت القرحة التي سألت عنها ؟ قلت : لا ، علميني شيئا ينفعني اللّه به . قالت : وما أفاد الحكيم في مقامك هذا من الفوائد ما تستغني به عن طلب الزوائد ؟ قلت لا ، ما أنا بمستغن عن طلب الزوائد . قالت : صدقت ، أحبب ربك واشتق إليه فإنّ له يوما يتجلى فيه على كرسيّ كرامته لأوليائه وأحبّائه فيذيقهم من محبته كأسا لا يظمئون بعدها أبدا . قال : ثم أخذت في البكاء والزفير والشهيق وهي تقول : سيدي إلى كم تخلفني في دار لا أجد فيها أحدا يسعدني على البكاء أيام حياتي ، ثم تركتني ومضت .
--> ( 1 ) يقال : بطل الأجير يبطل بالضم بطالة بالفتح أي تعطل فهو بطّال .