ابن الجوزي
326
صفة الصفوة
وراءكم فتبادروا إليه بالقرب . فلما روي الناس عن آخرهم وسارت القافلة جئت لأنظر فإذا البركة ملأى تلتطم بأمواجها والناس يرمون الدّلاء ويرتجزون عليه . فموسم يحضره مثل هؤلاء ، يقولون : اللهم اغفر لمن حضر الموقف ولجماعة المسلمين أوثر عليه أربعة آلاف دينار ؟ لا واللّه ولا الدنيا بأسرها وترك اللؤلؤ وجميع ما فيه ، قال الشيخ : فبلغني أن قيمة ما كان غرق له خمسون ألف دينار . 950 - عابد آخر : لقي بين الثعلبيّة والخزيميّة إبراهيم بن المهلب ، أبو الأشهب السائح ، قال : رأيت بين الثعلبية والخزيميّة غلاما قائما يصلّي عند بعض الأميال . قد انقطع عن الناس . فانتظرته حتى قطع صلاته ثم قلت له : ما معك مؤنس ؟ قال : بلى . قلت : وأين هو ؟ قال : أمامي وخلفي ومعي وعن يميني وعن شمالي وفوقي . فعلمت أن عنده معرفة . قلت : أما معك زاد ؟ قال : بلى . قلت : وأين هو ؟ قال : الإخلاص للّه عزّ وجلّ ، والتوحيد والإقرار بنبيه صلّى اللّه عليه وسلم وإيمان صادق ، وتوكل واثق . قلت : هل لك في مرافقتي ؟ قال : الرفيق يشغل عن اللّه عزّ وجل ولا أحبّ أن أرافق أحدا فأشتغل به عنه طرفة عين فيقطعني عن بعض ما أنا عليه . قلت : أما تستوحش في هذه البريّة وحدك ؟ قال : إن الأنس باللّه عزّ وجل قطع عني كل وحشة حتى لو كنت بين السباع ما خفتها ولا استوحشت منها . قلت : فمن أين تأكل ؟ فقال : الذي غذاني في ظلم الأحشاء والأرحام صغيرا قد تكفّل برزقي كبيرا . قلت : ففي أيّ وقت تجيئك الأسباب ؟ قال : لي حدّ معلوم ووقت مفهوم إذا احتجت إلى الطعام أصبته في أيّ موضع كنت ، وقد علم ما يصلحني وهو غير غافل عني . قلت : ألك حاجة ؟ قال : نعم . قلت : وما هي ؟ قال : إن رأيتني فلا تكلمني ولا تعلم أحدا أنك تعرفني . قلت : لك ذلك ، فهل حاجة غيرها ؟ قال : نعم . قلت : وما هي ؟ قال : إن استطعت أن لا تنساني في دعائك عند الشدائد إذا نزلت بك فافعل ، قلت : كيف يدعو مثلي لمثلك وأنت أفضل مني خوفا وتوكلا ؟ قال : لا تقل هذا إنك قد صليت للّه عزّ وجل وصمت قبلي ولك حق الإسلام ومعرفة الإيمان . قلت : فإنّ لي أيضا حاجة . قال :