ابن الجوزي
311
صفة الصفوة
عني عظيم وقد أورثتني صبرا جسيما ؟ فقلت : اللّه يا أعرابي ما رأيت أربط منك جأشا ولا أصعب منك مراسا . فقال : يا هذا إن الصبر والجزع ضدّان أحدهما بصيرة بنجدة والآخرة تهوّر بغرّة ، وليس بحزم تتبّع ما فات تطلّبه وعزّت أوبته . ثم أنشأ يقول : وكذا أشتهي لحادث ريب الدّ * هر إذ كان أن يكون عظيما 921 - عابد آخر عبد الرحمن بن أبي نوح قال : ذكر لي عن رجل من العرب فهم وخير ، فقصدت له في بعض البوادي حتى أصبته يسنو على بعير « 1 » له . فقلت : قل لي كلاما أحفظه عنك يرحمك اللّه . قال : لا تطلق لسانك فإنّ الفعل أولى بك من القول . قلت : رحمك اللّه إن دليل العمل القول ومفتاحه المعرفة . فأعجب بقولي . ثم أقبل عليّ فقال : يا أخي إنّ الشفقة لم تزل بالمؤمن حتى أوفدته على خير حال ، وإنّ الغفلة لم تزل بالفاجر حتى أسلمته إلى شرّ حال ، وما خير عمر امرئ لا يدري ما عاقبة أمره ، وما خير عيش لا يكمل ما حفظ منه ، ولئن كانت الرغبة في الدنيا هي المستولية على قلوبنا كما استولت على أبداننا لقد خبنا غدا في القيامة وخسرنا . 922 - عابد آخر يحيى بن معاذ قال : كنت في سياحتي ، فبينا أنا في بعض الفلوات إذ لاح لي كوخ من قصب ، فقصدت نحوه فإذا أنا بشيخ مبتلى ، قد أكل الدود لحمه ، فوقع له في قلبي رحمة ، فقلت له : يا شيخ أتحبّ أن أسأل اللّه تعالى أن يبرئك ؟ قال : فرفع رأسه وهو أعمى فنظر إليّ وقال : يا يحيى بن معاذ الرازي وإنّ لك عنده هذه الدّالة فلم لا تسأله أن يبغض إليك شهوة الرمّان ؟ قال يحيى : وكنت قد اعتقدت مع اللّه عزّ وجل ترك الشهوات ما خلا الرمّان فلم أقدر على تركه لحبي له . ثم نظر إليّ وقال [ لي ] : يا يحيى بن معاذ احذر أن تتعرّض لأولياء اللّه فتفتضح عندهم
--> ( 1 ) أي يستقي عليها .