ابن الجوزي
309
صفة الصفوة
[ منه ] فقال لي أبو سليمان : لا يتركنا بلا ماء . فبينا نحن نسير إذا برجل عليه طمران رثّان وقد تدرعنا بالفراء من شدة البرد ، وهو يرشح عرقا . فقال له أبو سليمان : ألا ندثّرك ببعض ما معنا ؟ فقال الرجل : يا دارانيّ الحرّ والبرد خلقان للّه تعالى إن أمرهما أن يغشياني أصاباني وإن أمرهما أن يتركاني تركاني ، يا دارانّيّ تصف الزهد وتخاف من البرد ؟ أنا أسيح في هذه البرية منذ ثلاثين سنة ما انتفضت ولا ارتعدت ، يلبسني في البرد فيحا من محبّته ، ويلبسني في الصيف مذاق برد محبته . ثم ولّى وهو يقول : يا دارانيّ تبكي وتصيح وتستريح إلى الترويح ؟ فكان أبو سليمان يقول : لم يعرفني غيره . 916 - عابد آخر قال الأصمعي : حدّثنا شبيب بن شيبة قال : كنا بطريق مكة وبين أيدينا سفرة لنا نتغدّى في يوم قائظ ، فوقف علينا أعرابي ومعه جارية له زنجيّة . فقال : يا قوم أفيكم أحد يقرأ كلام اللّه عزّ وجل حتى يكتب لنا كتابا ؟ قال : قلت له : أصب من غدائنا حتى نكتب لك ما تريد . قال : إني صائم . فعجبنا من صومه في البريّة ، فلما فرغنا من غدائنا دعونا به فقلنا : ما تريد ؟ فقال : أيها الرجل إن الدنيا قد كانت ولم أكن فيها ، وستكون ولا أكون فيها . وإني أردت أن أعتق جاريتي هذه لوجه اللّه عزّ وجل ثم ليوم العقبة ، تدري ما يوم العقبة ؟ قول اللّه تعالى فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ، وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ ، فَكُّ رَقَبَةٍ [ سورة البلد الآيات 11 - 13 ] اكتب ما أقول لك ، ولا تزيدنّ عليّ حرفا : هذه فلانة خادم فلان قد أعتقها لوجه اللّه عزّ وجل ليوم العقبة . قال شبيب : فقدمت البصرة وأتيت بغداد فحدّثت بهذا الحديث المهديّ فقال : مائة نسمة تعتق على عهد الأعرابيّ . 917 - عابد آخر بهيم العجليّ قال : ركب معنا شابّ من بني مرّة من أهل البدو في البحر ، فجعل يبكي الليل والنهار . فعاتبه أهل المركب على ذلك وقالوا : ارفق بنفسك قليلا . فقال : إنّ أقلّ ما ينبغي أن يكون لنفسي عندي أن أبكيها وأبكي عليها أيام الدنيا لعلمي بما يمرّ عليها غدا . قال : فما بقي في المركب أحد إلا بكى .