ابن الجوزي
306
صفة الصفوة
ذكر المصطفين من عباد البوادي والفلوات 910 - أبو حبيب البدوي عن الثوري قال : أتيت أبا حبيب البدوي أسلّم عليه ، ولم أكن رأيته ، فقال لي أنت سفيان الثوريّ الذي يقال ؟ قال : قلت نعم نسأل اللّه تعالى بركة ما يقال . قال : فقال لي : يا سفيان ما رأينا خيرا قط إلا من ربنا . قلت : أجل ، قال : فما لنا نكره لقاء من لم نر خيرا قط إلا منه . ثم قال : يا سفيان منع اللّه عزّ وجل إياك عطاء منه لك ، وذاك أنه لم يمنعك من بخل ولا عدم ، وإنما منعه نظر منه واختبار ، يا سفيان إن فيك لأنسا ومعك شغل . قال : ثم أقبل على غنيمته وتركني . 911 - شيبان الراعي عن محمد بن حمزة الربضي قال : كان شيبان الراعي إذا أجنب وليس عنده ماء دعا ربه فجاءت سحابة فأظلّته فاغتسل منها . وكان يذهب إلى الجمعة فيخط على غنمه فيجيء فيجدها على حالتها لم تتحرك . زيد بن العباس قال : لما حجّ هارون الرشيد قيل له : يا أمير المؤمنين قد حج شيبان العام . قال : اطلبوه لي ، فطلبوه فأتوه به فقال له : يا شيبان عظني ؟ قال : يا أمير المؤمنين أنا رجل ألكن لا أفصح بالعربية فجئني بمن يفهم كلامي حتى أكلّمه ، فأتي برجل يفهم كلامه فقال له بالنّبطية : قل له : يا أمير المؤمنين إن الذي يخوّفك قبل أن تبلغ المأمن أنصح لك من الذي يؤمّنك قبل أن تبلغ الخوف . فقال : قل له : أي شيء تفسير هذا ؟ قال : قل له : الذي يقول لك : يا هذا اتّق اللّه عزّ وجل فإنك رجل من هذه الأمة ، استرعاك اللّه عليها وقلّدك أمورها وأنت مسؤول عنها فاعدل في الرعية واقسم بالسويّة ، وانفر في السرية ، واتق اللّه في نفسك ، هذا الذي يخوّفك فإذا بلغت المأمن أمنت ، هو أنصح لك ممن يقول : أنتم أهل بيت مغفور لكم ، وأنتم قرابة نبيّكم وفي شفاعته ، فلا يزال يؤمّنك حتى إذا بلغت الخوف عطبت . قال : فبكى هارون حتى رحمه من حوله . ثم قال : زدني . قال : حسبك . ثم خرج .