ابن الجوزي
303
صفة الصفوة
ناحية عنه . فرأيت في منامي أربعة نفر هبطوا عليه من السماء على خيل فحفروا له وكفّنوه وصلوا عليه ثم دفنوه . فاستيقظت فزعا للذي رأيت . فذهبت عني وسنة النوم بقية الليل . فلما أصبحت انطلقت إلى موضعه فلم أره فيه . فلم أزل أطلب أثره وأنظره حتى رأيت قبرا جديدا فظننت أنه القبر الذي رأيت في منامي . 904 - عابد آخر أبو عبد الرحمن المغازلي قال : قال رجل ببلاد الشام في بعض تلك السواحل : لو بكى العابدون على الإشفاق حتى لم يبق في أجسادهم جارحة إلا أدّت ما فيها من الدم والودك « 1 » دموعا جارية ، وبقيت الأبدان يبسّا خالية تتردّد فيها الأرواح إشفاقا ووجلا من يوم تذهل كلّ مرضعة عما أرضعت . لكانوا محقوقين بذلك . ثم غشي عليه . 905 - عابد آخر إسرافيل قال : سمعت ذا النون يقول : سمعت بعض المتعبّدين بساحل بحر الشام يقول : إن للّه تعالى عبادا عرفوه بيقين من معرفته فشمروا وقصدوا إليه ، احتملوا فيه المصائب لما يرجون عنده من الرغائب ، صحبوا الدنيا بالأشجان ، وتنعّموا فيها بطول الأحزان ، فما نظروا إليها بعين راغب ، ولا تزودوا منها إلا كزاد الراكب ، خافوا البيات فأسرعوا ، ورجوا النجاة فأزمعوا ، بذلوا مهج أنفسهم في رضا سيدهم ، نصبوا الآخرة نصب أعينهم ، وأصغوا إليها بآذان قلوبهم ، فلو رأيتهم رأيت قوما ذبلا شفاههم ، خمصا بطونهم ، حزينة قلوبهم ، ناحلة أجسامهم ، باكية أعينهم ، لم يصحبوا التعليل والتسويف وقنعوا من الدنيا بقوات طفيف ، لبسوا من اللّباس أطمارا بالية ، وسكنوا من البلاد قفرا خالية ، وهربوا من الأوطان ، واستبدلوا الوحدة من الأخدان ، فلو رأيتهم لرأيت قوما قد ذبحهم الليل بسكاكين السهر ، وفصل الأعضاء منهم بخناجر التعب ، خمصا لطول السّرى . شعثا لفقد الكرى ، قد وصلوا الكلال بالكلال ، وتأهبوا للنّقلة والارتحال .
--> ( 1 ) الودك : دسم اللحم .