ابن الجوزي

299

صفة الصفوة

قال : يكون الذهب والفضة عندك كالحصى والمدر ، والسباع والهوامّ كالطير والأنعام ، وخوفك من جنسك كخوفك من السباع ، وخوفك من صحبتهم على دينك كخوفك من الشيطان ، فلعلك تنال ما تريد ، ومتى كان الذهب والفضة أكبر في قلبك فإنك ستميل إلى الأكبر ، ومتى هبت السباع أوشك أن تبعد إلى الأمن ، ومتى أنست بالمخلوقين أوشك أن تهرب من الوحشة . وثلاثة أشياء هنّ تمام الأمر : أن تعلم أنك مبتلي لا محالة ، وأن لك رزقا مقسوما وكذلك أجل معلوم ، والثالث : أن تقصر الأمل ، فهنالك لا تبالي أين حللت من البلاد ولا من شاهدت من العباد فتقدم إن شئت على بصيرة وإلا فتأخر على علم بضعف وعجز . قلت : صف لي ما يزيد في صبري . قال : تعلم أن اللّه عزّ وجل ناظر إليك ، قد روي في بعض الأخبار : « بعيني ما يتحمل المتحمّلون من أجلي ، وما يكابد المكابدون في طلب مرضاتي » فإذا علمت أن صبرك يرضي مولاك صبرت . قلت : فما السبيل إلى الرضاء ؟ قال : علم القلب بأن المولى عادل في قضائه غير متهم فيما حكم . قلت : فما معنى الرضاء ؟ قال : سرور القلب بمرّ القضاء ؟ . ثم قال : لا تنم إلا نوم يقظان ، وكيف يأمن من لم يأته الأمان ؟ وبادر قبل الفوت ، واستعن على تصفية الطعمة بالقلة والتمس الصمت بقلة الخلطاء ، واتبع قول الرسول صلّى اللّه عليه وسلم وقول السلف ، ولا تميلن إلى محدثات الأمور ، فكل محدثة بدعة ، واعلم أن اللّه يراك فاتقه ، وقم له بالقسط على نفسك ، وتفرّد بالفرد إذ كنت له عبدا ، وتجرد من الهموم الشاغلة ، واجعل الهمّ واحدا تروّح في العاجلة والآجلة . 898 - عابد آخر في جبل بلغنا عن بعض السلف أنه قال : رأيت في بعض الجبال شابا أصفر اللون غائر العينين ، مرتعش الأعضاء ، لا يستقر على الأرض ، كان به وخز الأسنة ، ودموعه تتحادر . فقلت له : من أنت ؟ فقال : آبق من مولاه . قلت : فتعود وتعتذر . فقال : العذر يحتاج إلى إقامة حجة فكيف يعتذر المقصر ؟ فقلت : تتعلق بمن يشفع فيك . فقال : كل الشفعاء يخافون منه ؟ قلت : فمن هو قال : مولاي رباني صغيرا فعصيته كبيرا ، شرط لي فوفاني ، وضمن لي فأعطاني ، فخنته في ضماني ، وعصيته وهو يراني ، فوا حيائي من حسن صنعه وقبيح فعلي . فقلت : أين هذا