ابن الجوزي
297
صفة الصفوة
طعاما وقد نظرت قبل ذلك فلم أر فيه شيئا ، وأتيت تلك الجرّة فشربت منها شرابا وقد نظرت قبل ذلك فلم أر فيها شيئا . قال : أجل ما من طعام أريده من طعام الناس إلّا أكلته من هذا الوعاء ، ولا شراب أريده من شراب الناس إلّا شربته من هذه الجرّة . قال : قلت : وإن أردت السّمك الطريّ ؟ قال : وإن أردت السمك الطريّ . فقلت : رحمك اللّه إن هذه الأمة لم تؤمر بالذي صنعت ، أمرت بالصلاة في الجماعة وعيادة المريض ، واتّباع الجنائز . فقال : ههنا قرية فيها كل ما ذكرت وأنا منتقل إليها . قال : فكاتبني حينا ثم انقطع عنّي كتابه فظننت أنه مات . وكان عبد اللّه بن غالب لما مات وجد من قبره ريح المسك . 894 - عابد آخر على جبل قال محمد بن الحسين : حدثني أحمد بن سهل قال : حدثني أبو فروة السائح ، وكان واللّه من العالمين للّه عزّ وجل بمحبته ، قال : بينا أنا أطوف في بعض الجبال إذ سمعت صدى جبل فقلت : إن ها هنا لأمرا ما . فاتبعت الصوت فإذا أنا بهاتف يهتف : يا من آنسني بذكره وأوحشني من خلقه ، وكان لي عند مسرّتي . ارحم اليوم عبرتي وهب لي من معرفتك ما أزداد به تقربا إليك . يا عظيم الصّنيعة إلى أوليائه اجعلني اليوم من أوليائك المتقين . قال : ثم سمعت صرخة ولم أر أحدا . فأقبلت نحوها فإذا أنا بشيخ مغشيّ عليه قد بدا بعض جسده ، فغطّيته ثم لم أزل عنده حتى أفاق ، فقال : من أنت رحمك اللّه ؟ قلت : رجل من بني آدم . قال : إليكم عني فمنكم هربت ، قال : ثم بكى وقام ، فانطلق وتركني . فقلت : رحمك اللّه دلّني على الطريق . فأومأ بيده إلى السماء . 895 - عابد آخر على جبل محمد بن أبي عبد اللّه الخزاعي قال : حدّثني رجل من أهل الشام أنه دخل كهف جبل في ناحية عن طريق الناس . فإذا هو بشيخ مكبوب على وجهه ، وإذا هو يقول : إن كنت تطيل جهدي في دار الدنيا وتطيل شقائي في الآخرة فلقد أهملتني وأسقطتني من عينك أيها الكريم ، قال : فسلمت فرفع رأسه فإذا دموعه قد بلّت