ابن الجوزي

290

صفة الصفوة

بجود لطفك يا لطيف ، وأعذني من مسالك المتحيّرين بجلال بهائك يا رؤوف ، واجعلني لك في جميع الحالات خادما وطالبا ، وكن لي يا منوّر قلبي وغاية طلبي في الفضل صاحبا . قال ذو النون : فطلبت الصوت حتى ظهر لي ، فإذا امرأة كأنها العود المحترق ، وعليها درع من الصوف ، وخمار من الشعر أسود قد أضناها الجهد وأفناها الكمد وذوّبها الحبّ ، وقتلها الوجد . فقلت لها : السلام عليك . فقالت : وعليك السلام يا ذا النون فقلت : لا إله إلا اللّه كيف عرفت اسمي ولم تريني ؟ قالت : كشف عن سرّي الحبيب فرفع عن قلبي حجاب العمى فعرّفني اسمك . فقلت : ارجعي إلى مناجاتك . فقالت : أسألك يا ذا البهاء أن تصرف عني شر ما أجد فقد استوحشت من الحياة . ثم خرّت ميتة . فبقيت متحيّرا متفكّرا . فأقبلت عجوز كالوالهة فنظرت إليها ثم قالت : الحمد للّه الذي كرمها . قلت : من هذه ؟ فقالت : ألم تسمع بزهراء الوالهة ؟ هذه ابنتي توهّم الناس منذ عشرين سنة أنها مجنونة وإنما قتلها الشوق إلى ربها . ومن عباد جبال المغرب 882 - عابد عن ذي الكفل أخي ذي النون قال : سمعت ذا النون يقول : بينا أنا في جبال المغرب إذ وقعت على رجل عابد في رأس جبل ، فسلّمت عليه ؛ فأطرق إلى الأرض ثم رفع رأسه وقال : عليكم السلام . قال ذو النون فقلت له : ما مقامك في هذا المكان ؟ فقال : معي بضيّعة قد هربت بها من الأسواق وقد جئت بها لأدفنها في هذا المكان . قلت : وما بضاعتك هذه ؟ قال : عقد توحيدي وخالص ضمير مكنوني قلت : لو أنست بالناس . قال : منهم هربت ، وقد قصدت إلى من قصده غيري من الرّاجين . فوجدوه مؤنسا . ثم رفع طرفه نحو السماء ثم قال : أنت أنت . قال ذو النون : فرفعت طرفي في موضع رفع طرفه ورددت طرفي فلم أره .