ابن الجوزي
278
صفة الصفوة
860 - عابد آخر يوسف بن الحسين قال : قال ذو النون ، وصف لي رجل بالمغرب وذكر لي من حكمته وكلامه ما حملني على لقائه . فرحلت إليه إلى المغرب فأقمت على بابه أربعين صباحا على أن يخرج من منزله إلى المسجد ويقعد ، فكان يخرج وقت كل صلاة يصلي ، ويرجع كالواله لا يكلّم أحدا فقلت له يوما : يا هذا إني مقيم ها هنا منذ أربعين صباحا لا أراك تكلّمني . فقال لي : يا هذا لساني سبع إن أطلقته أكلني . فقلت له : عظني رحمك اللّه بموعظة أحفظها عنك . قال : وتفعل ؟ قلت : نعم إن شاء اللّه ، قال : لا تحب الدنيا وعدّ الفقر غنى والبلاء من اللّه نعمة ، والمنع من اللّه عطاء ، والوحدة مع اللّه أنسا ، والذلّ عزا والطاعة حرفة والتوكّل معاشا واللّه تعالى لكل شديدة عدّة . ثم مكث بعد ذلك شهرا لا يكلّمني ، فقلت له : رحمك اللّه إني أريد الرجوع إلى بلدي فإن رأيت أن تزيدني في الموعظة فقال : اعلم أنّ الزاهد في الدنيا قوته ما وجد ومسكنه حيث أدرك ولباسه ما ستر الخلوة مجلسه ، والقرآن حديثه ، واللّه الجبار العزيز أنيسه والذكر رفيقه ، والصمت جنّته ، والخوف ، سجيّته ، والشوق مطيته ، والنصيحة نهمته والصبر وساده ، والصديقون إخوانه والحكمة كلامه ، والعقل دليله ، والجوع أدمه والبكاء دأبه ، واللّه عزّ وجل عدّته . قلت بما تتبين الزيادة من النقصان ؟ قال : عند المحاسبة للنفوس . 861 - عابدة من أهل إفريقية محمد بن حفص قال : مررت على أخ لي من أهل مصر ونحن بالثغر ، فأخرج إليّ شكالا « 1 » . فقال : انظر من أي شيء هذا الشّكال ؟ فنظرت فإذا شكال من شعر ، كأنه من صفائه وشدة سواده قد دهن بالدّهن . فقلت : هذا عندي من أعراف الخيل العتاق الكرام . فقال : لا . واللّه ، ولكنه من شعر امرأة من أهل افريقيّة
--> ( 1 ) الشّكال : العقال ، والجمع شكل ، وفي الحديث أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم كره الشّكال في الخيل » وهو أن تكون ثلاث قوائم مطلقة ورجل محجلة ، ولا يكون الشكال إلا في الرّجل .