ابن الجوزي
275
صفة الصفوة
على احتمال مكاره الأنفس . قال : قلت ثم مه « 1 » ؟ قال : إذا كان محتملا للمكاره أورث اللّه عزّ وجل قلبه نورا ، قلت : فما ذا النور ؟ قال : سراج يكون في قلبه يفرق بين الحق والباطل والمتشابه . ثم قال : يا غلام إياك إذا صحبت الأخيار وجاريت الأبرار أن تغضبهم عليك ، لأن اللّه تعالى يغضب لغضبهم ويرضى لرضاهم ، وذلك أن الحكماء هم العلماء ، هم الراضون عن اللّه إذا سخط الناس . يا غلام احفظ عني واعقل واحتمل ، ولا تعجل ، إياك والبخل . قلت : وما البخل ؟ قال : أما البخل عند أهل الدنيا فهو أن يكون الرجل ضنينا بماله ، وأما عند أهل الآخرة فهو الذي يضنّ بنفسه عن اللّه . ألا وإن العبد إذا جاد بنفسه للّه أورث اللّه قلبه الهدى والتّقى ، وأعطي السكينة والوقار والحلم الراجح والعقل الكامل . 855 - عابد آخر العبّاس بن يوسف الشّكلي قال : دخلت الإسكندرية فسألت : هل بها أحد من الزّهّاد ؟ فقالوا : فتى قد كان يصوم النهار ويقوم الليل فإذا أفطر أفطر على الشهوات ، فرأى رؤيا هالته فأخذ في التقلّل وصار فطره في كل خمسة عشر يوما مرة . فقلت فعلى أيّ شيء يفطر إذا أفطر ؟ فقيل لي : على شيء من الكسب « 2 » وتمرات يعجنها فهي فطره من الوقت إلى الوقت . فقلت : فما الرؤيا التي رآها ؟ قالوا : رأى فتى وقف عليه فقال له : تجوّع فإن الجوع يورث أهله * مصادر برّ خيرها الدهر دائم ولا تك ذا بطن رغيب وشهوة * فتصبح في الدنيا وقلبك هائم 856 - عابدة عن حجّاج بن ريّان قال : دخلت أنا وابن أبي رفاعة مسجد الإسكندرية فإذا أنا بامرأة قد اعتزلت عن النساء وجعلت حولها حظيرة من حجارة ، فتقدم إليها ابن أبي رفاعة فقال لها : ما لي أراك قد اعتزلت النساء وجعلت حولك هذه الحجارة ؟
--> ( 1 ) أي ثم ما ذا . ( 2 ) الكسب : ثفل الدهن وعصارته .