ابن الجوزي

241

صفة الصفوة

فمرّة يلاطفني ومرّة يهدّدني ، ويجيعني مرة ويكرمني أخرى ، فليته وقفني على بعض أسرار أوليائه ثم ليفعل بي ما شاء . قال معروف : فأبكاني كلامه فقلت له : فحدثني ببعض ما جرى عليك منذ فارقتني . فقال : هيهات أن أبديه وهو يريد أن نخفيه ، ولكن بدّيا ما فعل ، في طريقي إليك ، مولاي وسيدي ، ثم استفرغه البكاء فقلت : وما فعل بك ؟ قال : جوّعني ثلاثين يوما ثم جئت إلى قرية فيها مقثأة قد نبذ منها المدوّد وطرح ، فقعدت آكل منه فبصر بي صاحب المقثأة فأقبل إليّ بضرب ظهري وبطني ، ويقول : يا لصّ ما خرّب مقثأتي غيرك ، منذ كم أنا أرصدك حتى وقعت عليك ؟ فبينا هو يضربني إذ أقبل فارس نحوه مسرعا إليه وقلب السوط في رأسه وقال : تعمد إلى وليّ من أولياء اللّه عزّ وجل فتقول له : يا لصّ ؟ فأخذ صاحب المقثأة بيدي فذهب بي إلى منزله فما أبقى من الكرامة شيئا إلا عمله واستحلّني وجعل مقثأته للّه عزّ وجل ولأصحاب معروف فقلت له : صف لي معروفا ، فوصف لي فعرفتك بما قد كنت شاهدته من صفتك . قال معروف ؛ فما استتم كلامه حتى دقّ صاحب المقثأة الباب ودخل إليّ وكان موسرا فأخرج جميع ماله وأنفقه على الفقراء وصحب الشابّ سنة وخرجا إلى الحجّ فماتا بالربذة « 1 » . 814 - عابد آخر داود بن رشيد « 2 » قال : حدثني الصّبيح والمليح ، شابان كانا يتعبّدان بالشام ، سمّيا الصّبيح والمليح لحسن عبادتهما ، قالا : جعنا أياما ، فقلت لصاحبي ، أو قال لي : أخرج بنا إلى الصحراء ، لعلّنا نرى رجلا نعلّمه بعض دينه ، لعل اللّه عزّ وجل أن ينفعنا به . فلما أصحرنا استقبلنا أسود على رأسه حزمة حطب . فدنونا منه فقلنا له : يا هذا - من ربّك ؟ فرمى الحزمة عن رأسه وجلس عليها وقال : لا تقولا لي من ربّك ؟ ولكن قولا لي : أين محل الإيمان من قلبك فنظرت إلى صاحبي ونظر إليّ صاحبي ، ثم قال : سلا ، سلا ، فإنّ المريد لا تنقطع مسائله ، فلما رآنا لا نحير جوابا قال : اللهم إن كنت تعلم أنّ لك عبادا كلما سألوك أعطيتهم فحوّل حزمتي هذه ذهبا ، فرأيناها قضبان ذهب تلتمع ، ثم قال : اللهم إن

--> ( 1 ) قرية من قرى المدينة على بعد ثلاثة أيام منها . ( 2 ) رشيّد : بالتصغير .