ابن الجوزي
24
صفة الصفوة
طوله من الأرض قدر ذراعين ، وستر البيت جلد وربما كان بوريا ، وحبّ « 1 » وكوز ولبد هو فراشها وهو مصلّاها . وكان لها مشجب من قصب عليه أكفانها وكانت إذا ذكرت الموت انتفضت وأصابتها رعدة وإذا مرت بقوم عرفوا فيها العبادة . وقال لها رجل : ادعي ، فالتصقت بالحائط وقالت : من أنا يرحمك اللّه ؟ أطع ربك وادعه فإنه يجيب المضطرين . سجف بن منظور قال : دخلت على رابعة وهي ساجدة فلما أحسّت بمكاني رفعت رأسها فإذا موضع سجودها كهيئة الماء المستنقع من دموعها . فسلّمت فأقبلت عليّ فقالت : يا بني ألك حاجة ؟ فقلت : جئت لأسلم عليك ، قال : فبكت وقالت : سترك اللهمّ سترك ودعت بدعوات ثم قامت إلى الصلاة وانصرفت . العباس بن الوليد قال : قالت رابعة : أستغفر اللّه من قلّة صدقي في قولي ، أستغفر اللّه . أزهر بن مروان قال : دخل على رابعة رياح القيسيّ ، وصالح بن عبد الجليل وكلاب ، فتذاكروا الدنيا فأقبلوا يذمّونها فقالت رابعة : إني لأرى الدنيا بترابيعها « 2 » في قلوبكم . قالوا : ومن أين توهّمت علينا ؟ قالت : إنّكم نظرتم إلى أقرب الأشياء من قلوبكم فتكلّمتم فيه . ( روى ) « 3 » أبو جعفر المديني ، عن شيخ من قريش قال : قيل لرابعة : هل عملت عملا ترين أنه يقبل منك ؟ قالت : إن كان فمخافتي أن يرد علي . جعفر بن سليمان قال : أخذ بيدي سفيان الثّوري وقال : مرّ بنا إلى المؤدبة التي لا أجد من أستريح إليه إذا فارقتها . فلما دخلنا عليها رفع سفيان يده وقال : اللهم إني أسألك السلامة فبكت رابعة . فقال لها : ما يبكيك ؟ قالت : أنت عرّضتني للبكاء . فقال : وكيف ؟ قالت : أما علمت أن السلامة من الدنيا ترك ما فيها فكيف وأنت متلطّخ بها . ؟
--> ( 1 ) الحب بضم الحاء : الجرة الكبيرة . ( 2 ) أي بجهاتها الأربع . ( 3 ) زيدت على المطبوع .