ابن الجوزي
235
صفة الصفوة
خلّني وربّي . فقال : هيهات هيهات ، كيف أخلّيك وفيك وفي أبيك « 1 » هلكت ، لا أو تهلكوا معي . قال : فأخذت برأسه فجعلته على حجر وأخذت بحلقه أخنقه ثم قلت : كيف أقدر على قتله وقد أخّره اللّه عزّ وجل إلى يوم القيامة ؟ ولكن أرفق به فجعلت أتملقه وهو يأبى . فقلت له : دلّني على ما ينفعني ؟ فقال : أدلّك على السكّرّ والحملان والجوذابات « 2 » والدنانير والدراهم أن تكثر منها . فقلت له : يا ملعون أنا أسألك أن تدلني على شيء ينفعني في أمر آخرتي ، تدلّني على الدنيا وما أصنع أنا بهذا وما حاجتي إليه ؟ فقال : من ههنا صار رأسي وحلقي في يدك تقلّبه كيف شئت وتلعب به . قلت : أفدتني علما ، لا جرم إني لأرجو أن لا أنال منها شيئا إلّا ما لا غنى بي عنه فقال : إن تركتك فاصعد العقبة وسأستعين عليك بولد جنسك الذين زيّنت في أعينهم ما قبح في عينك فأجابوني إليه فبهم أستعين عليك فيأتوك من مأمنك . توفي أبو الحارث بطرسوس سنة سبع وتسعين ومائتين . 806 - أبو الخير التيناتي « 3 » أصله من المغرب وسكن تينات ، وهي قرية من قرى أنطاكيّة . ويقال له الأقطع ، لأنه كان مقطوع اليد . وكان سبب ذلك أنه كان في جبال أنطاكيّة وحواليها يطلب المباح وينام بين الجبال وأنه عاهد اللّه تعالى أن لا يأكل من ثمر الجبال إلا ما طرحته الريح . فبقي أياما لم تطرح إليه الريح شيئا . فرأى يوما شجرة كمّثرى فاشتهى منها فلم يفعل . فأمالتها الريح إليه فأخذ واحدة . واتفق أن لصوصا قطعوا هنالك الطريق وجلسوا يقتسمون . فوقع عليهم السلطان فأخذهم وأخذ معهم فقطعت أيديهم وأرجلهم وقطعت يده ، فلما همّوا بقطع رجله عرفه رجل فقال للأمير : أهلكت نفسك ، هذا أبو الخير . فبكى الأمير وسأله أن يجعله في حلّ . ففعل وقال : أنا أعرف ذنبي .
--> ( 1 ) أي بسبب أبيك وهو آدم . ( 2 ) الجوذابات مفردها جوذاب بضم الجيم ، وهو طعام يصنع من سكر ورز ولحم . ( 3 ) نسبة إلى تينات وهو مرفأ على ساحل الشام قرب المصيصة .