ابن الجوزي
209
صفة الصفوة
يغبط القوم السّرى « 1 » . قال : وكان يقال له : ألا ترفق بنفسك ؟ فيقول : إنما هي نفسي أبادرها أن تخرج . 779 - عابد آخر ذو النون قال : نظرت إلى رجل في بيت المقدس قد استفرغه الوله فقلت له : ما الذي أثار منك ما أرى ؟ قال : ذهب الزهّاد والعبّاد بصفو الإخلاص وبقيت في كدر الانتقاص ، فهل من دليل مرشد أو من حكيم موقظ ؟ 780 - عابد آخر سمنون قال : كنت ببيت المقدس في برد شديد ، وعليّ جبّة وكساء ، وأنا أجد البرد والثلج يسقط ، فرأيت شابا عليه خرقتان في الصحن يمشي ، فقلت : يا حبيبي لو استترت ببعض هذه الأروقة فيكنّك من البرد . فقال لي : يا أخي سمنون : ويحسن ظنّي أنني في فنائه * وهل أحد في كنّه يجد البردا ومن عقلاء المجانين ببيت المقدس 781 - شاب بلغنا عن أبي الجوّال المغربي قال : كنت ببيت المقدس جالسا مع رجل صالح وإذا قد طلع علينا شابّ والصبيان حوله يقذفونه بالحجارة ويقولون : مجنون فدخل المسجد وهو ينادي اللهم أرحني من هذه الدار . فقلت له : هذا كلام حكيم فمن أين لك هذه الحكمة ؟ فقال : من أخلص له في الخدمة أورثه طرائف الحكمة وأيّده بأسباب العصمة ، وليس بي جنون وولق ؛ بل قلق وفرق . ثم جعل يقول : هجرت الورى « 2 » في حبّ من جاد بالنّعم * وعفت الكرى « 3 » شوقا إليه فلم أنم وموّهت دهري بالجنون عن الورى * لأكتم ما بي من هواه فما انكتم
--> ( 1 ) سرى بالضم ومسريّ بالفتح وأسرى أي سار ليلا . ( 2 ) الورى : الخلق . ( 3 ) الكرى : النعاس .