ابن الجوزي
194
صفة الصفوة
قال : أنبأ عبد اللّه بن محمد الرازي قال أنبأ [ إسحاق ] بن إبراهيم بن أبي حسان الأنماطي . قال : سمعت أبا سليمان يقول : من أحسن في نهاره كوفئ في ليله ، ومن أحسن في ليله كوفئ في نهاره ، ومن صدق في ترك الشهوة ذهب اللّه بها من قلبه ، واللّه أكرم من أن يعذّب قلبا بشهوة تركت له . الجنيد قال : قال أبو سليمان الدّاراني : ربما يقع في قلبي النكتة من نكت القوم أياما فلا أقبل منه إلا بشاهدين عدلين : الكتاب والسنة . أحمد بن أبي الحواريّ قال : سمعت أبا سليمان يقول ، وقد دخلت عليه وهو يبكي ، فقلت له : ما يبكيك ؟ فقال لي : يا أحمد ولم لا أبكي ، وإذا جنّ الليل ونامت العيون ، وخلا كلّ حبيب بحبيبه ، وافترش أهل المحبة أقدامهم ، وجرت دموعهم على خدودهم ، وقطرت في محاريبهم ، أشرف الجليل سبحانه ، فنادى جبريل عليه السلام بعيني من تلذّذ بكلامي ، فلم لا ينادي فيهم ما هذا البكاء ؟ هل رأيتم حبيبا يعذّب أحبابه ؟ أم كيف يجمل بي أن أعذّب قوما إذا جنّهم الليل تملّقوني ، فبي حلفت إذا وردوا عليّ القيامة لأكشفنّ لهم عن وجهي الكريم حتى ينظروا إليّ وانظر إليهم . أحمد بن أبي الحواريّ قال : قال [ لي ] أبو سليمان : ليس العبادة عندنا أن تصفّ قدميك وغيرك يفتّ لك ، ولكن ابدأ برغيفيك فأحرزهما ثم تعبّد ، ولا خير في قلب يتوقع قرع الباب يتوقع إنسانا يجيئه يعطيه شيئا . قال : وقلت لأبي سليمان : سهرت ليلة في ذكر النساء إلى الصباح . قال : فتغير وجهه وغضب علي وقال : ويحك أما استحييت منه ؟ يراك ساهرا في ذكر النساء ؟ ولكن كيف تستحيي ممن لا تعرف . قال : وسمعت أبا سليمان يقول : إذا لذّت لك القراءة فلا تركع ولا تسجد ، وإذا لذّ لك السجود فلا تركع ولا تقرأ ، الزم الأمر الذي يفتح لك فيه [ وسمعت أبا سليمان يقول : من كان يومه مثل أمس فهو في نقصان ] وسمعت أبا سليمان يقول : ما أتى من أتى من إبليس وقارون وبلعم « 1 » إلا أن أصل نيّاتهم غشّ فرجعوا إلى الغش الذي في قلوبهم ، واللّه أكرم من أن يمنّ على عبد بصدق ثم يسلبه إياه .
--> ( 1 ) هو بلعم بن ساعور من الكنعانيين .