ابن الجوزي
179
صفة الصفوة
فتجيبه امرأته ، فإذا بلغ إلى باب بيته كبّر فتجيبه امرأته فانصرف ذات ليلة فكبر عند باب داره فلم يجبه أحد ، فلما كان في الصحن كبّر فلم يجبه أحد ، فلما كان في باب بيته كبّر فلم يجبه أحد ، وكان إذا دخل بيته أخذت امرأته رداءه ونعليه ثم أتته بطعامه قال : فدخل فإذا البيت ليس فيه سراج وإذا امرأته جالسة منكّسة تنكت بعود معها . فقال لها مالك ؟ فقالت : أنت لك منزلة من معاوية وليس لنا خادم فلو سألته فأخدمنا وأعطاك ، فقال : اللهم من أفسد على امرأتي فأعم بصره ، قال : وقد جاءتها امرأة قبل ذلك فقالت : زوجك له منزلة من معاوية فلو قلت له يسأل معاوية أن يخدمه ويعطيه عشتم ، قال : فبينا تلك المرأة جالسة في بيتها إذ أنكرت بصرها فقالت : ما لسراجكم طفئ ؟ قالوا : لا . فعرفت ذنبها ، فأقبلت إلى أبي مسلم تبكي وتسأله أن يدعو اللّه عزّ وجل لها يرد عليها بصرها . قال : فرحمها أبو مسلم فدعا اللّه [ عزّ وجل ] لها فرد عليها بصرها . الحسن قال : قال أبو مسلم الخولاني ، وكان ذا أمثال : أرأيتم نفسا إذا أكرمتها وودعتها ونعمتها ذمتني غدا عند اللّه وإن أنا أهنتها وأنصبتها وأعملتها مدحتني عند اللّه غدا ؟ قالوا : من تيك يا أبا مسلم ؟ قال تيك واللّه نفسي . عن شرحبيل بن مسلم ، عن أبي مسلم الخولاني ، أنه كان إذا وقف على خربة قال : يا خربة أين أهلك ؟ ذهبوا وبقيت أعمالهم ، وانقطعت الشهوة ، وبقيت الخطيئة ، ابن آدم ! ترك الخطيئة أهون من طلب التوبة . أبو بكر بن أبي الأسود قال : قال أبو مسلم الخولاني : ما طلبت شيئا من الدنيا قط فولّي لي ، حتى لقد ركبت مرة حمارا فلم يمش فنزلت عنه وركبه غيري فعدا . قال : فأريت في منامي كأن قائلا يقول لي : لا يحزنك ما زوي عنك من الدنيا وإنما يفعل ذلك بأوليائه وأحبّائه وأهل طاعته . قال : فسرّي عني . [ روى ] « 1 » شرحبيل بن مسلم ، عن عمير بن سيف ، أنه سمع أبا مسلم الخولاني يقول : لأن يولد لي مولود يحسن اللّه عزّ وجل نباته حتى إذا استوى على شبابه وكان أعجب ما يكون إليّ ، قبضه مني ، أحبّ إليّ من أن تكون لي الدنيا وما فيها .
--> ( 1 ) زيدت على المطبوع .