ابن الجوزي
17
صفة الصفوة
فلما كان بعد ذلك سألت عن القوم فإذا ثلاثة قد أفاقوا وثلاثة قد لحقوا باللّه عزّ وجل ، وأما الشيخ فإنه مكث ثلاثة أيام على حالته مبهوتا متحيّرا لا يؤدّي فرضا فلما كان بعد ثالثة عقل . 581 - عابدان ابن سماك قال : دخلت البصرة فقلت لرجل كنت أعرفه دلّني على عبّادكم . فأدخلني على رجل عليه لباس الشّعر ، طويل الصمت لا يرفع رأسه إلى أحد . قال فجعلت أستنطقه الكلام فلا يكلمني . فخرجت من عنده فقال لي صاحبي : ههنا ابن عجوز هل لك فيه ؟ قال : فدخلنا عليه فقالت العجوز : لا تذكروا لابني شيئا من ذكر جنة ولا نار فتقتلوه عليّ فإنه ليس لي غيره . قال : فدخلنا على شاب عليه من اللباس نحو مما على صاحبه منكّس الرأس طويل الصمت فرفع رأسه فنظر إلينا ثم قال : أما إنّ للناس موقفا لا بد أن يقفوه قال : فقلت بين يدي من رحمك اللّه ؟ قال : فشهق شهقة فمات . قال ابن السماك فجاءت العجوز فقالت : قتلتم ولدي . قال : فكنت فيمن صلّى عليه . 582 - عابد آخر أبو عبد اللّه الحرزي قال قلت لمحمد بن السماك : أخبرني عن أعجب شيء رأيته من الخائفين . قال : اشتقت إلى عبّاد البصرة فأتيت الربيع بن صبيح فنزلت عليه ثم قلت له : هل تعرف ههنا أحدا من الخائفين ؟ قال : نعم ههنا زاهد يقال إنه من الخائفين قلت له فبكّر بنا إذا صلينا . قال فبكرنا إلى بعض زوايا البصرة فدقّ بابا فخرجت عجوز فسلّم عليها ثم قال : ما فعل ابنك ؟ قالت إن ابني قد نسي الدنيا . قال : أتأذنين لنا أن ندخل عليه ؟ قالت : بشرط أن لا تذكروا له القيامة . قال : فأذنت لنا فدخلنا فإذا شاب عليه مدرعة شعر ، في عنقه طوق وسلسلة مشدودة بسارية البيت ، فإذا قبر محفور وإذا هو جالس على شفير قبره ينظر في لحده فقال الربيع : يا هذا أخوك محمد بن السّماك المذكّر أتاك زائرا . فالتفت إليه فقال : ما أنت قائل ؟