ابن الجوزي
169
صفة الصفوة
قلت : هذه امرأة حسن قصدها وغلطت في فعلها ، لأنها جهلت أنّ ما فعلت منهيّ عنه ، فلينظر إلى قصدها . 737 - عابدة أخرى من أهل الشام نقل عنها مثل هذه . بلغنا عن أبي قدامة الشاميّ قال : كنت أميرا على الجيش في بعض الغزوات ، فدخلت بعض البلدان فدعوت الناس إلى الغزو ورغّبتهم في الثواب ، وذكرت فضل الشهادة وما لأهلها . ثم تفرّق الناس وركبت فرسي وسرت إلى منزلي فإذا أنا بامرأة من أحسن الناس تنادى : يا أبا قدامة ، فقلت : هذه مكيدة من الشيطان . فمضيت ولم أجب . فقالت : ما هكذا كان الصالحون ، فوقفت ، فجاءت ودفعت إليّ رقعة وخرقة مشدودة وانصرفت باكية . فنظرت إلى الرّقعة فإذا فيها مكتوب : إنّك دعوتنا إلى الجهاد ورغّبتنا في الثواب ، ولا قدرة لي على ذلك فقطعت أحسن ما فيّ ، وهما ضفيرتاي وأنفذتهما إليك لتجعلهما قيد فرسك ، لعل اللّه يرى شعري قيد فرسك في سبيله فيغفر لي . فلما كانت صبيحة القتال فإذا بغلام بين يدي الصفوف يقاتل فتقدمت إليه وقلت : يا فتى أنت غلام غرّ راجل ولا آمن أن تجول الخيل فتطأك بأرجلها فارجع عن موضعك هذا فقال : أتأمرني بالرّجوع ؟ وقد قال اللّه تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [ سورة الأنفال : الآيتان 15 و 16 ] . فحملته على هجين كان معي فقال : يا أبا قدامة أقرضني ثلاثة أسهم فقلت : أهذا وقت قرض ؟ فما زال يلحّ عليّ حتى قلت بشرط : إن منّ اللّه بالشهادة أكون في شفاعتك ، قال : نعم . فأعطيته ثلاثة أسهم فوضع سهما في قوسه وقال : السلام عليك يا أبا قدامة . ورمى به فقتل روميّا . ثم رمى بالآخر وقال : السلام عليك يا أبا قدامة فقتل روميا . ثم رمى بالآخر وقال : السلام عليك سلام مودّع .