ابن الجوزي
163
صفة الصفوة
عذّبتني بعذابك كلّه لكان ما فاتني من قربك أعظم عندي من العذاب ، ولو نعّمتني بنعيم أهل الجنّة كلّهم كانت لذّة حبك في قلبي أكثر . قلت : هذه العابدة هي رقيّة . منصور بن محمد قال : قالت رقيّة الموصلية : إني لأحب ربّي حبا شديدا فلو أمر بي إلى النار ما وجدت للنار حرارة مع حبه ، ولو أمر بي إلى الجنة لما وجدت للجنة لذّة مع حبّه ، لأن حبّه هو الغالب عليّ . محمد بن كثير المصيصي قال : قالت رقيّة العابدة ، وكانت بالموصل : حرام على قلب فيه رهبانيّة المخلوقين أن يذوق حلاوة الإيمان ، شغلوا قلوبهم بالدنيا عن اللّه عزّ وجلّ ولو تركوها لجالت في الملكوت ورجعت إليهم بطرف الفوائد . وكانت تقول تفقّهوا في مذاهب الإخلاص ولا تفقّهوا فيما يؤدّيكم إلى الركوب على القلاص « 1 » . 729 - أمية بنت أبي المورع أبو الوليد ، رياح بن أبي الجرّاح العبدي ، قال : ما رأيت قطّ مثل أميّة بنت أبي المورّع الموصلية ، وكانت من الخائفين ، وكانت إذا ذكرت النار قالت : أدخلوا النار ، وأكلوا من النار ، وشربوا من النار ، وعاشوا . ثم تبكي ، وكان بكاؤها أطول من ذلك ، وكانت كأنها جبّة على مقلي ، وكانت إذا ذكرت النار بكت وأبكت دما وما رأيت أحدا أشدّ خوفا ولا أكثر بكاء منها . 730 - موافقة ويقال موفقة أبو عبد اللّه الحصري قال : سمعت فتحا الموصلي يقول مرّت بي امرأة متعبّدة يقال لها : موافقة ، فعثرت فسقط ظفر إبهامها ، فضحكت ، فقيل لها يا موافقة يسقط إبهامك وتضحكين ؟ فقالت : إنّ حلاوة ثوابه أزالت عن قلبي مرارة وجعه .
--> ( 1 ) مفردها قلوص وهي الناقة .