ابن الجوزي

158

صفة الصفوة

الحكاية التي حكيناها عن الأول في حق أولاده ويحتمل أن يكون عن الأول . أبو بكر بن عفان قال : سمعت بشر بن الحارث يقول : بلغني أن بنتا لفتح الموصليّ عريت فقيل له : ألا تطلب من يكسوها ؟ فقال : لا ، أدعها حتى يرى اللّه عزّ وجل عريها وصبري عليها . قال : فكان إذا كان ليالي الشتاء جمع عياله وقال بكسائه عليهم ثم قال : اللهم أفقرتني وأفقرت عيالي ، وجوّعتني وجوّعت عيالي ، وأعريتني وأعريت عيالي ؛ فبأيّ وسيلة توسّلتها إليك ، وإنما تفعل هذا بأوليائك وأحبائك ، فهل أنا منهم حتى أفرح . إبراهيم بن نوح الموصلي قال : رجع فتح الموصلي إلى أهله بعد العتمة وكان صائما فقال : عشّوني ، فقالوا : ما عندنا شيء نعشّيك به . قال : فما لكم جلوسا في الظلمة ؟ قالوا ما عندنا شيء نسرج ولا سراج ؟ بأيّ يد كانت منّي ؟ فما زال يبكي إلى الصباح . أبو بكر بن عفان قال : سمعت بشر بن الحارث يقول : بلغني عن فتح الموصلي أنه كان يتجزّأ بفلس في اليوم يشتري به نخالة . إبراهيم بن عبد اللّه قال : صدّع فتح الموصلي ، ففرح وقال : يا ربّ ابتليتني ببلاء الأنبياء ، فشكر هذا أن أصلّي الليلة أربعمائة ركعة . بشر بن الحارث قال : قال فتح الموصلي : من أدام النظر بقلبه ورّثه ذلك الفرح بالمحبوب ، ومن آثره على هواه ورّثه ذلك حبّه إياه ، ومن اشتاق إليه وزهد فيما سواه ورعى حقّه وخافه بالغيب ، ورّثه ذلك النظر إلى وجهه الكريم . أبو جعفر ، ابن أخت بشر بن الحارث ، قال : كنت يوما واقفا ببابنا إذا أقبل شيخ ثائر الشّعر ملتفّ بالعباء فقال لي : بشر في البيت ؟ قلت : نعم فقال : ادخل فقل : فتح بالباب . قال : فخرج مسرعا فصافحه واعتنقه فقال له الشيخ : يا أبا نصر إني ذكرتك البارحة فاشتقت إلى لقائك . قال : فدفع إليّ درهما فقال : خذ بأربعة دوانيق خبزا ، ويكون جيّدا ، وبدانقين تمرا . قال الشيخ : قل له يكون شهريزا « 1 » فجئته به . فقال الشيخ : قل له يأكل معنا . فقال : كل معنا فأكلت

--> ( 1 ) تمر شهريز : نوع جيد من التمر معروف عندهم .