ابن الجوزي

140

صفة الصفوة

قال أبو عبد اللّه : سمعت شقيق بن إبراهيم يقول : خرجت من ثلاثمائة ألف درهم وكنت مرابيا ولبست الصوف عشرين سنة وأنا لا أعلم ، حتى لقيت عبد العزيز بن أبي روّاد ، فقال لي : يا شقيق ليس الشّأن في أكل الشعير ، ولا لباس الصوف والشعر ، الشأن في المعرفة ، وأن تعبد اللّه لا تشرك به . فقلت : فسّر لي هذا ؟ قال : يكون جميع ما تعمله للّه خالصا . ثم تلا : فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً [ سورة الكهف آية 110 ] . محمد بن أبي عمران قال : سمعت حاتما الأصمّ يقول : كنا مع شقيق البلخي ونحن مصافّو الترك في يوم لا أرى فيه إلا رءوسا تندر « 1 » ، وسيوفا تقطع ، فقال لي شقيق ونحن بين الصفين : يا حاتم كيف ترى نفسك في هذا اليوم ؟ تراها مثلها في الليلة التي زفّت إليك امرأتك ؟ فقلت : لا واللّه . فقال : لكنّي [ واللّه ] أرى نفسي في هذا اليوم مثلها في الليلة التي زفّت فيها امرأتي . قال : ثم نام بين الصفّين ودرقته « 2 » تحت رأسه ، حتى سمعت غطيطه . حاتم الأصمّ قال لي شقيق البلخي : اصحب الناس كما تصحب النار ، خذ منفعتها واحذر أن تحرقك . حاتم قال : سمعت شقيقا يقول : مثل المؤمن كمثل رجل غرس نخلة وهو يخاف أن تحمل شوكا ومثل المنافق كمثل رجل زرع شوكا وهو يطمع أن يحصد تمرا هيهات هيهات ، كلّ من عمل حسنا فإن اللّه لا يجزيه إلا حسنا ، ولا ينزل الأبرار منازل الفجّار . أسند شقيق عن عباد بن كثير وغيره ، وصحب إبراهيم بن أدهم « 3 » .

--> ( 1 ) أي تسقط . ( 2 ) الدرقة : الترس من الجلد . ( 3 ) استشهد رحمه اللّه في إحدى الغزوات سنة أربع وتسعين ومائة . ( انظر شذرات الذهب ص 341 ج 1 ) .